كتاب وأراء

الــذلّ.. لا تــحــلــو مــرارتـــه

نتجرع هذه الكأس منذ ثلاثة وخمسـين عاماً، كأننا اسـتسـغناها، أو كأنها طاب لنا مذاقها، ونجد أنفسنا مضطرين سـنة بعد أخرى إلى التذكير بطعم الذل الذي تجرعناه في 5 / 6، وما زلنا نفعل، وتذهلنا قدرتنا على تجرع هذا الهوان كله.
أذهـلتـنا الحكومات العـربيـة (منذ اسـتعضنا عـن الاسـتعـمار الخارجي باسـتعـمار داخلي) بقدرتهـا المذهـلة على الكذب وبيع الشـعارات الكبـيـرة، ثم التـنصل مـنها دون أي حـياء. أذهلتـنا الحكومات العربية الثورية عام 1967 عندما هزمتـنا إسـرائيل خلال 6 سـاعات، أما الأيام السـتة التالـية فكانت تدريـبات لـلجيش الإسـرائـيلي.
خنـقـتم أصواتنا، وصادرتم حرياتـنا، ووطِئـتم كراماتـنا، ونهـبتم جيـوبنا باسـم تحرير فلـسـطيـن، وإذا بكم تنهزمون خلال سـاعات، ولم تخجل الحـكومـات مـن أن تدعي أنها نكسـة، ولو أنهم عرفوا معنى الكلمة لتراجعوا عنها، فهي تعني قلب الشيء رأساً على عقب. أين الجـيوش التي ســرقـتم أموال الـشـعـوب بحجة تـسـلـيحها؟ أذهـلنا الجندي العـربي ببطولاتـه عام 1973 ثم أذهـلـتـنا الحكومات بتـضيـيع البـطـولات والتضحيات، وتحويل النصر إلى هزيمة. لم يعد أحد يتحدث عن تحرير فلسطين، وصارت القضية تحرير الأراضي المحتلة عام 1967.
ربما ما زالت أبواق الإعلام تصر على أنها نكسة، وجرب العرب في 1973 تحرير ما خسـروا في 1967، وكرسـت إسرائيل احتلالها، واسـتعادت مصر بالمفاوضات سيناء شبه استعادة، وظل الجولان والضفة الغربية محتلين، وضمت إسرائيل الجولان 1981، وهي في الطريق إلى ابتلاع الضفة.
ليس غريباً أن تنهزم دول في الحرب لكن المعـيب أن تسـتكين للهزيمة، دون أن تـبني قـوة تسـتطـيع بهـا أن تمسـح عار الهزيمة. وترتبط هـزيمة يونيـو بأكبر عـملية خداع قامت بها حكومتا مصر وسورية للشعبين، حتى كان الناس يرقصون في الشـوارع صبيحة يوم 5 / 6 فـقد عاشـوا 19 عامـاً ينتـظرون تلك الـلحظة، وبكوا بعـدها كثـيراً، وما زالوا منذ الهزيمة يبكون.
أهم دروس الهزيمة أن نهضة الشعوب والأمم تمثل عملية متكاملة تأخذ بالأسباب وتتسم بالتواصل، وتمر عبر مراحل زمنية ممتدة، والتفوق العسكري نتيجة ضمن نتائج أخرى لعملية التنمية والتحديث، وليس سبباً في حدوث هذه العملية أو هدفاً في حد ذاته، فعندما ينمو المجتمع نمواً متوازناً في مختلف الجوانب المادية والمعنوية يستطيع أن يفرز جيشاً قوياً متماسكاً قادراً على الدفاع عن وطنه.
ظللت زمنا أردد «لن ينام الثأر» وضحك مني كثيرون، ولكنني بعد ذلك عدت إلى مقولة أقدم «لا أحلم بأن يرى ابني – مهما مدّ الـلـه في عمره – هذه الأمة وقد انصلح حالها» وقد أضيف الآن «ولا حفيدي أيضاً»..
وما زال طعم علقم الذل في أفواهنا.
بقلم: نزار عابدين

نزار عابدين