كتاب وأراء

أوروبا.. عودة إلى الانغلاق القومي!


شكل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي على اثر الاستفتاء الشعبي الذي أجري أخيرا ما يشبه الزلزال في أوروبا والعالم لما له من انعكاسات ودلالات سياسية واقتصادية واجتماعية تؤشر إلى مدى المتغيرات الحاصلة في البيئة الأوروبية الاقتصادية والاجتماعية، واحتمالات أن تقود هذه المتغيرات إلى ولادة مرحلة جديدة في أوروبا والعالم بحجم وزن وتأثير الاتحاد الأوروبي في الحلبة الدولية.
وأي متابع لهذا الحدث البريطاني خصوصاً لناحية تداعياته ونتائجه وانعكاساته المتوقعة على الصعيد العالمي لا بد وأن يلحظ أن هناك عاملين أساسيين أسهما في دفع ما يناهز الـ 52 بالمائة من البريطانيين إلى التصويت لصالح تأييد خيار انسحاب بلادهم من الاتحاد الأوروبي.
العامل الأول: اقتصادي اجتماعي ويتمثل بازدياد حدة الأزمة الاقتصادية والمالية ومضاعفاتها السلبية على الصعيد الاجتماعي على خلفية اندلاع الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية عام 2008 بدءاً من أميركا، والتي تكمن أسبابها في الاستنزاف الذي تسببت فيه الحرب الأميركية الغربية في العراق وأفغانستان، واشتداد المنافسة الاقتصادية العالمية وتراجع حصة الدول الغربية من الناتج العالمي.
وأدت هذه الأزمة إلى ازدياد نسب البطالة والتفاوت الاجتماعي، وتدهور مستوى المعيشة، وإقدام الشركات الرأسمالية على استجلاب اليد العاملة الرخيصة من دول أوروبا الشرقية، والضغط على الحكومات لتعديل قوانين العمل لمصلحتها، كما هو حاصل حالياً في فرنسا، مما أدى إلى احتدام في الصراع الطبقي.
هذه التطورات ولدت شعوراً بالقلق والخوف لدى الطبقات الوسطى والعمالية في بريطانيا من التأثر بهذه الأزمات خصوصاً إذا ما تسربت اليد العاملة الرخيصة من أوروبا الشرقية إلى بريطانيا، وهو أمر سهل ولا عوائق تحول دونه في ظل البقاء في اطار الاتحاد الأوروبي.
العامل الثاني: تنامي النزعة القومية بدلاً من الانفتاح، ومثل هذه النزعة لا تقتصر على بريطانيا فقط بل تطال اغلب دول الاتحاد الأوروبي، وهذه النزعة ظهرت مع اشتداد الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، لكنها تنامت كثيراً بعد ازدياد أعداد المهاجرين من الشرق الأوسط وأفريقيا إلى الدول الأوروبية، مما أدى إلى تقوية التيار القومي المتطرف الذي يرى في المهاجرين عبئاً ثقيلاً على شعوب أوروبا التي بدأت تئن من الأزمة الاقتصادية والاجتماعية ومن البطالة.
ويمكن القول إن هذين العاملين هما اللذين أسهما في صعود اليمين المتطرف بقيادة لوبن في الانتخابات الفرنسية الأخيرة، وقبل ذلك في النمسا وهولندا واسبانيا والمانيا وغيرها من الدول ما يؤشر إلى أن ذلك بات سمة تطبع الحياة السياسية الاوروبية.
وإذا ما أخذنا بالاعتبار أن هذه الأزمة ليست مؤقتة وهي أزمة مقيمة بفعل المنافسة الاقتصادية العالمية الأخذة بالتصاعد على خلفية تنامي وازدياد القوة التنافسية الاقتصادية للصين والهند وروسيا وغيرها من الدول الصاعدة اقتصادياً على حساب الدول الغربية.
فإننا سنكون أمام احتمالات أن يكون نموذج الطلاق البريطاني للاتحاد الأوروبي عامل يشجع دول أوروبية عديدة على الحذو حذو بريطانيا بإجراء استفتاء على البقاء أو الخروج من الاتحاد،خصوصا اذا ما جرت تسوية بين بريطانيا والاتحاد، وفي هذا السياق هناك دول عدة مدرجة على القائمة، مثل السويد واسبانيا والمجر واليونان.. الخ.
وهذا الاتجاه يؤشر إلى أن الاتحاد الأوروبي لم يعد قوة جذب وإغراء للانضمام إليه أو البقاء فيه.
بقلم : حسين عطوي

حسين عطوي