كتاب وأراء

.. ذهنية التآمر العربي

«التآمرية» حالة تبريرية موجودة في كل المجتمعات ويلجأ إليها جميع البشر لتبرير إخفاقاتهم وتأخرهم خلف الآخرين.. كل أمة تخلق في ذهنها عدوا نمطيا (تسانده الثقافة والتاريخ) همه الأول تدميرها وحياكة المؤامرات ضدها.. فهناك دائما «نحن» و«هم».. نحن الصالحون وهم الطالحون، نحن المؤمنون وهم الكافرون، نحن المظلومون وهم المتسلطون.. ولكن الحقيقة هي أن التعلق بنظرية المؤامرة قد يحجب الأخطاء الداخلية، ويتخطى المشاكل الحقيقية، ويدخل المجتمع في دائرة من الاتكالية والتخاذل حتى في حال وجود مؤامرات حقيقية تحيكها ضده الشعوب الأخرى.
ورغم أن التآمرية مفهوم قـديـم، ورد مصطلح نظرية المؤامرة (CONSPIRACY THEORY) لأول مرة عام 1920 في مقالة اقتصادية وتداولته وسائل الأنباء بكثرة في عقد الخمسينيات والستينيات (حين بدأت الدول العربية بالتحرر وظهر الهوس بما يعرف بالأطباق الطائرة) ودخل في قاموس أكسفورد عـام1997.
وتختلف نظريات المؤامرة باختلاف جنسيات ومصالح ووجهات نظر أصحابها.. غير أن المتآمرين عادة هم الحكومات (العالمية أو المحلية) والمُـتآمر عليهم هم الناس أو الشعوب التي يتـم الكيد لها وإخفاء الحقائق عنها.
ورغم أننا- عرباً ومسلمين- نعيد مآسينا الكبرى لتآمر أميركا وأوروبا علينا.. ورغم أنني انتقدت أكثر من مرة تعلقنا بنظرية المؤامرة واللجوء إليها لتبرير عجزنا وأخطائنا التاريخية؛ أعتقد شخصيا أن الشعب الأميركي يملك العدد الأكبر من نظريات المؤامرة التي يتـداولها الشعب تجاه نفسه (وهي على أي حال جانب إيجابي من نظرية المؤامرة).. فجزء كبير من الشعب الأميركي مثلا يشكك في هبوط ناسا فوق القمر أو مسؤولية القاعدة عن تفجيرات سبتمبر أو الأسباب الحقيقية لحرب فيتنام والعراق وأفغانستان.. وأكبر دليل على هذا أن الكتب والتقارير التي تميل لوجود مؤامرة حاكتها المخابرات الأميركية (بخصوص تفجيرات سبتمبر) أكثر بكثير من تلك التي سلمت بدور بن لادن ومنظمة القاعدة في هذا الموضوع.. وحين فكرت بقياس مستوى التآمرية لدى الشعب الأميركي كتبت كلمة «مؤامرة» (CONSPIRACY) في محرك البحث غوغل فوجدت أكثر من 86.700.000 نتيجة.. وحين أردت نتيجة أكثر اختصارا بحثت عن «مؤامرات 11سبتمبر» فوجدت أكثر من 393000 موقع حول هذا الموضوع.. ثم بحثت عن «مؤامرة اغتيال الرئيس كينيدي» فوجدت 283000 موقع، وعن «علاقة الحكومة بالأطباق الطائرة» فوجدت 90400 موقع، وعن وجود حكومة عالمية (تحكم العالم سراً) فوجدت 836000 موقع، وعن «تحكم المخابرات الأميركية بأدمغة الشعب» فوجدت 539000 موقع، وهذه الأعداد المهولة تثبت هوس الشعب الأميركي بنظرية المؤامرة حيال معظم القضايا الداخلية والخارجية (وتستطيع التأكد بنفسك من خلال كتابة كلمة CONSPIRACY زائد القضية المطلوبة)!
على أي حال؛ يظل التـآمر السياسي والعالمي حالة محتملة بين الدول (فما من دولة تتردد في تحقيق مصالحها على حساب الشعوب الأخرى).. غير أن نظرية المؤامرة تصبح مشكلة قومية حين تصل إلى درجة اليقين والتعميم والهوس بين الناس.. حين تصل إلى درجة الاستسلام والقناعة بـأن دول العالم تركت مشاكلها وإنجازاتها للتآمر علينا فقط.. حين نعتقد أننا مهمون لدرجة خـلط النرجسية بـالانهزامية، والجمع بين الزهـو التاريخي والتخلف الحضاري كما هو حال مجتمعاتنا العربية.
إن كان هناك من يتآمر علينا فعلاً، فهـو من يحاول إقناعنا بأن سبب تخلفنا هو (وجود مؤامرة دولية ضدنا).



فهد عامر الأحمدي

فهد عامر الاحمدي