كتاب وأراء

الفلوجة تذكرنا بموعظة التاريخ!

لا يجب أن يكون التعاطف الإنساني مع الفارين من حرب تحرير الفلوجة هو وحده فقط عنوان القصة لما جرى ويجرى للعراق من أزمات منذ نحو ثلاثة عشر عاما، وإنما للقصة عناوينها السياسية الأوسع التي تتجاوز مجرد التعاطف الإنساني. فالخيام الممتدة في الصحراء تكاد تنطق بالأخطاء السياسية القاتلة التي أدت إلى ظهور «داعش» ثم انتشاره على نحو مخيف، وما الذي يمكن أن تؤول إليه الأوضاع عندما تضع الحرب أوزارها.
لا أحد ينكر أن العراق انقلب رأسا على عقب بعد الغزو الأميركي 2003 وسقوط نظام صدام حسين. ومن الصحيح أنه جرت محاولات شتى لبناء نظام سياسي جديد تعهد من تصدوا لقيادته على اختلاف اتجاهاتهم السياسية وانتماءاتهم المذهبية بأن يكون ديمقراطيا وعادلا ومتقدما. ولكن كل المحاولات إن لم تكن قد فشلت فإنها تعثرت وفتحت أبوابا للخلاف لا للاتفاق. ودون الدخول في تفاصيل الصراع الدامي فإن الرأى العام العربي تابع ولا يزال أحداث هذا الصراع الذي كاد يكون يوميا في فترات عديدة من التاريخ المعاصر للبلاد. واللافت هنا أن الاقتتال كان متبادلا حيث لا يصح القول إن هناك طرفا بعينه كان وحده الضحية أو الأقل خسارة من الآخر، بل مس القتل والتدمير كلا من الطرفين بشكل مأساوي.
هذا التقديم كان ضروريا للوقوف على حقيقة ظهور «داعش» ومصدر قوتها من ناحية وعلاقتها بالواقع السني في العراق من ناحية ثانية واستشراف مستقبل العلاقة بين السنة والشيعة في حالة ما انتهى التنظيم بالفعل من خلال المعارك التي يقودها الجيش العراقي. لأن ما جرى ويجرى لا يبتعد كثيرا عن المعطيات والظروف والآليات التي عرفها التراث الحضاري الإسلامي منذ الدولة الأموية حتى سقوط الدولة العثمانية مرورا بسقوط الأندلس.
واقع التاريخ الإسلامي البعيد يشير دائما إلى أن فترات الصراع والأزمات ارتبطت أساسا بغياب العدل بين الناس بينما فترات القوة والنهضة ارتبطت بوجوده. ومن جهة أخرى فإن تهديد العقيدة أو وقوع الاحتلال كل منهما يقود إلى اندلاع الصراع. وعلى صعيد الآليات فإن عالمنا العربي الإسلامي لم يتقبل بسهولة فكرة العمل السياسي من خلال الأحزاب وفي الأعم لا يرغب فيها وإنما لديه آليات أخرى محببة لديه.. مرة أخرى يقدم لنا التاريخ آليات بديلة للأحزاب هي التيارات أو الحركات أو الجماعات، وتلك بنى سياسية مختلفة كثيرا عن بنية الأحزاب، ولكنها تلاقت مع الثقافة السياسية العربية الإسلامية. وأبرز ما فيها من سمات أنها ليست منظمة بالضرورة وتستند إلى الأتباع والمتعاطفين وتهتم بالرموز والأفكار ومتغيرة من وقت إلى آخر والغاية عندها هي رفع الظلم وتحقيق العدل، ولكنها من حيث الفاعلية شديدة التأثير وتستطيع أن تنتقل بالتغيير من الاحتجاج إلى التمرد إلى الثورة، وغالبا ما تميل إلى العنف حيث لا سبيل لإقامة العدل وإلغاء الظلم إلا بالقوة.
في العراق والفلوجة نموذجا غاب العدل بين الجميع من البداية، ومثلما تعرض الشيعة للظلم في عهد قيادة السنة للبلاد تحت نظام صدام، تعرض السنة للظلم أيضا في عهد قيادة الشيعة للبلاد. مناطق السنة التي شعرت بالإقصاء بعد 2003 كانت تربة مناسبة لانتشار «داعش»، وبات له فيها متعاطفون وخلايا نائمة إن جاز التعبير. تيار الرفض المتطرف الذي نجح في نشره على مدى أكثر من سنتين يظل رديفا يجدد نشاطه إذا ما انتهى وجوده كتنظيم، طالما استمر الظلم والجور الواقع على السنة، وطالما لن تتغير الأطر التي قام عليها النظام الجديد وعجز هذا النظام عن استعادة ثقة كل أبناء المناطق التي انتشر فيها التنظيم. والقوى السياسية الممثلة في البرلمان لن تستطيع مواجهة التداعيات المستقبلية لاستمرار تيار الرفض العنيف، طالما استمرت على حالة الاستقواء بأذرعها المسلحة الممثلة في الميليشيات. على الجميع أن يعيد قراءة التاريخ لأن دروسه لا تزال حاضرة لمن يريد أن يتعظ.

بقلم : عبدالعاطي محمد

عبدالعاطي محمد