كتاب وأراء

حين لا تجد الضحية من ينصفها

«لم يكن هناك تعذيب للمعتقلين في فرع الخطيب في دمشق، ليس هناك تعذيب أصلا في في فروع الأمن في سوريا»! كان هذا في سياق دفاع ضابط الأمن السابق (أنور رسلان) عن نفسه في محاكمته الشهيرة قبل مدة قليلة، أمام المحكمة الألمانية في مدينة كوبلنز بتهمة ارتكاب جرائم الحرب (اغتصاب واعتداء جنسي و58 جريمة تعذيب حتى الموت)، أثناء إدارته لفرع الخطيب الشهير بوصفه أحد أكثر فروع الأمن رعبا في دمشق، وذلك قبل إعلانه انشقاقه عن النظام عام 2014، ثم تقديمه طلب حماية في ألمانيا ليصل إليها عام 2015، بعد أن سهلت له مؤسسات المعارضة ذلك، ضمن خطتها في استيعاب المنشقين عن النظام، لتقليل عدد الضباط المؤيدين له من جهة، ومن جهة ثانية الاستفادة من شهاداتهم حول ما ارتكبه النظام السوري من جرائم بحق السوريين من أجل إكمال ملفه لتقديمه إلى محكمة العدل الدولية!
بيد أن الضابط المنشق أنور رسلان، وبعد استقراره في ألمانيا، لم يصدر أي بيان بما يخص عمله السابق مع النظام السوري، وحسب ما تسرب عن مؤسسات المعارضة، فإنه لم يعط أي تصريح أو يدل بأية شهادة تتعلق بتلك المرحلة، وإن ما قاله لم يكن أكثر من معلومات سطحية يعرفها الجميع، وهو ما جعل الكثيرين يوجهون أصابع الاتهام لمن ساعده على الوصول إلى المانيا، معتبرين ذلك جاء في خدمة النظام السوري، ولم يخدم قضية الثورة السورية والمطالبة بمحاكمة النظام بأي شيء.
ربما هناك شيء من الحق في الاتهام السابق للمعارضة، غير أن محاكمة أنور رسلان وغيره في المانيا والسويد وفرنسا، فتحت الباب للمزيد من الأسئلة حول ما جرى في السنوات السابقة بما يخص الثورة السورية والنظام والعلاقة مع المجتمع الدولي من جهة، والعلاقة مع المنشقين، من مسؤولين مدنيين وعسكريين وأمنيين، ومنهم من صار في قيادات المعارضة، وعلى رأس لجان التفاوض مع النظام، إذ أنه، وإلى حد كبير جدا، تتحمل قيادة المعارضة ومؤسساتها مسؤولية ما وصلت إليه حال سوريا وثورتها، وحال السوريين الذين تشردوا واعتقلوا وفتك بهم من الجميع، ليس فقط بسبب عدم قدرتها على اتخاذ موقف محدد ووطني وواضح من الثورة السورية والمجتع السوري! بل أيضا بسبب (باطنيتها) وانعدام شفافيتها وصدقيتها أمام السوريين وأمام المجتع الدولي، ووضعها الأجندات والمشاريع والمصالح اللا وطنية في المقدمة، لتصبح أهداف الثورة السورية ومصلحة سوريا والمجتمع السوري كما لو أنها أهداف ثانوية، إذ لم تضع المعارضة (كلها) برنامج عمل واداء متطور، ولم تقدم رؤية لما يجب أن تكون عليه سوريا، ولم تضع حلولا للاستعصاء السياسي والعسكري السوري، ولم تبن أي تحالف موحد قدم خدمات للقضية السورية، ولم تستفد من المنشقين العسكريين والمدنيين الذين كانوا في الصفوف الأولى لخدمة النظام، لم تفعل شيئا خلال السنوات التسع السابقة سوى الإساءة للثورة السورية، وتطييفها ودعم الثورة المضادة المتمثلة في التنظيمات «الجهادية» وتفضيل المصالح الضيقة على المصلحة الوطنية، والمساهمة في تفكيك عرى المجتمع السوري، وتدمير سوريا عبر التسليح والابتعاد السريع عن السلمية، وإغراق الثورة بالمال السياسي، والفساد المهول الذي كشف عن عمق النخر في منظومة المعارضة بما لا يختلف عن الفساد في منظومة النظام، وهو ما لم يتم الحديث عنه من قبل المنشقين عن النظام بعد انشقاقهم.
عجزت المعارضة السورية عن إيجاد حلول للملفات السورية الشائكة والمتشابكة، ورفضت الاعتراف بالفشل والهزيمة، ورفضت التنحي وإعطاء الفرصة لكوادر شبابية جديدة، وتجاهلت الملف الأهم في الملفات السورية، وهو ملف مئات آلاف المعتقلين والمغيبين لدى النظام السوري والتنظيمات المسلحة على الأراضي السورية، وهو واحد من أهم الملفات وأكثرها إلحاحا وخطورة وإنسانية، كما أن ما تم كشفه في حوار انتشر مؤخرا مع أحد الذين قدموا ملف (قيصر) للمجتمع الدولي، وفضح فيه محاولات استثمار المعارضة للملف، والتهديدات التي تعرض لها (قيصر وإياد) من قبل بعض المعارضين، على عمق الفساد في المعارضة، كما يدل على التنازل عن القضية السورية لصالح المصلحة الشخصية أو مصلحة الداعم! وهنا يمكننا العودة إلى دفاع أنور رسلان عن نفسه في المحكمة الألمانية وإنكاره التام لوجود التعذيب في المعتقلات السورية، رغم انتشار ملف قيصر وبالأدلة المثبتة: فإذا كان من يفترض بهم هم أصحاب القضية، وهم المعنيون بهذا الملف أكثر من غيرهم كونهم يدعون الانتماء إلى طرف الضحايا، يحاولون استثمار الأمر لغير العدالة، فهل يمكن لأنور رسلان، المسؤول عن تعذيب وقتل المئات في فرعه الأمني، على إنكاره فعل ذلك؟!
بقلم: رشا عمران

رشا عمران