كتاب وأراء

يا أم سلمة.. ما شأن الناس؟

رأى النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في منامه أنه يدخل هو وأصحابه مكة ويطوفون بالبيت، فلما أصبحَ أخبرَ الصحابةَ برؤياه، ففرحوا بذلك فرحاً شديداً، فرُؤيا الأنبياء حقٌّ، والحنينُ إلى مكة قِبلتهم وموطنهم كان كالحسرةِ في قلوبِهم!
ومضى النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى مكة في أربعةِ آلافٍ من أصحابه، وزوجته أم سلمة، ولما كانوا بالحُديبية، جرتْ المُفاوضات الشهيرة بين المُسلمين ووُفود قُريش، إلى أن جاءَ أخيراً سهيل بن عَمرو، وتم عقد صُلح الحُديبية وكان من شروطه أن تكون هناك هُدنة بين الطرفين مُدتها عشر سنوات، وأن يرجعَ المُسلمون عامهم هذا عن مكة ويرجعوا إليها في العام القادم، وأن يردَّ المُسلمون من جاءهم مُسلماً من قُريش وأن لا ترُدَّ قُريش من جاءها مُرتداً من المسلمين، وأن للعرب الخيار أن تدخلَ في حِلفِ المُسلمين أو في حِلفِ قُريش!
رأى الصحابةُ أن في هذا الصلح إجحافاً كبيراً، وتملَّكتهم غضبة المؤمن الحق حين يغضب لله ورسوله، حتى أن عُمر بن الخطاب قال للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: ألسنا على حق وعدونا على باطل، فقال له: بلى. فقال عمر: فَلِمَ نُعطي الدنية في ديننا إذاً؟!
ولكن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم المُؤيَّد بالوحي، والمُمتلئ ثقة بالله أن الحُديبية هي أول خطوة في طريق فتح مكة، نادى في الناس قائلاً: يا أيُّها الناس انحروا، واحلقوا!
أي أنَّ الله قبل منهم عمرتهم، ولكن الصحابة لِحُبِّهِم لله، وعزةِ أنفسهم، ما قام منهم أحد، فأعاد النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم قوله، فما قامَ منهم أحد، فأعادَ قوله مرةً ثالثةً فما قامَ أحد!
فدخلَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم على أُم سلمة وقال لها: يا أُم سلمة ما شأن الناس؟!
فقالت له: يا رسول الله قد دخلهم ما رأيتَ، فلا تُكلِّمَنَّ منهم إنساناً، واعمدْ إلى هديك فانحرْه، واحلِقْ، فلو فعلتَ ذلك، فعلوا مثلك!
فقامَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم فلم يُكلمْ أحداً، فنحرَ هديه، وحلقَ رأسه، فلما رأوه، قاموا فنحروا وحلقوا!
الشاهدُ في الأمرِ أن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم وهو المُؤيد بالوحي، المحفوف بالتوفيق والعصمة، يستشيرُ زوجتَه في قضيةٍ سياسيةٍ ودينيةٍ شائكةٍ تخصُّ الأُمة بأسرها، وعندما سمع نصيحتها عملَ بها!
ليس في الأمرِ انتقاصٌ للرجولة أن يستشيرَ الرجلُ زوجتَه في مشاكلِه ومشاغلِه، على العكس تماماً هذا من الرجولة لأنه فعل سيد الرجال أولاً، كما أنه امتثالٌ للهَدْيِ النبوي.
وما نسمعه من هادمي الأُسر، ومُقلِّلي شأن النساء، حين يقولون: شاوروهنَّ وخالفوهنَّ، ما هو إلا ذُكورية مقيتة، لا تمُّت لا إلى الدينِ، ولا إلى السُّنَّةِ، ولا إلى المنطقِ في شيء!
بقلم: أدهم شرقاوي

أدهم شرقاوي