كتاب وأراء

وردة على قبر «طيب تيزيني»

تمر هذه الأيام الذكرى الأولى لرحيل المفكر السوري الكبير طيب تيزيني، ابن مدينة حمص، التي ولد وعاش فيها ورفض النزوح منها ومغادرتها، بعد أن حول النظام السوري الكثير من أحيائها إلى أطلال، وساحات حرب متواصلة، وبعد أن تم اعتقال خيرة شبابها أو إعدامهم أو تهجيرهم وتحويلهم إلى مقاتلين مؤدلجين فاقدين لأي امل في الحياة الكريمة والمستقبل، وبعد ان استطاع النظام تنفيذ خطة الحرب الأهلية على سكان حمص، بحشد واستنفار الغرائز الهوياتية الطائفية والمذهبية، التي نتج عنها جرائم لا تحصى، مادية وأخلاقية وإنسانية سوف تبقى طويلا كشرخ كبير في ذاكرة التعايش المجتمعي، وسوف تكون عائقا كبيرا أمام عودة من تبقى من المهجرين، فيما لو خرجت سوريا مما هي فيه عبر حل سياسي لا يأخذ تحقيق العدالة كبند رئيس وضمن أولويات أي حل قادم.
كان صاحب (بيان في النهضة والتنوير العربي) و(نحو فلسفة عربية معاصرة) وعشرات الكتب والمؤلفات والأبحاث في الفكر والفلسفة وقراءة الفكر الديني والسياسي، أحد أهم المفكرين القوميين الماركسيين الذين عاشوا في سوريا إيمانا واشتغالا على تكريس مفهوم الديمقراطية في الوعي الجمعي السوري والعربي بشكل عام، اذ كانت أفكاره ومؤلفاته منتشرة في عالمنا العربي، ولدى شرائح كبيرة من القراء والمهتمين بالفلسفة والفكر النقدي، هذا الاشتغال جعل من الراحل تيزيني من أوائل المطالبين بالتغير السياسي نحو نظام مدني علماني مؤسساتي ديمقراطي، يرفع من شأن العدالة الاجتماعية وحقوق الانسان والحريات السياسية والحريات الفردية، محاولا ذلك قبل الثورة 2011 عن طريق المطالبة بالإصلاح من قلب النظام، ووضع الخطط الاستراتيجية لهذا التغيير، بيد أن محاولاته تلك باءت بالفشل واصطدمت بواقع أن النظام السياسي الحالي يدرك أن الإصلاح فيه يعني سقوطه، وهو ما اكتشفه جيدا الراحل تيزيني في أوائل عام 2011 حينما شارك مع مجموعة من المثقفين والناشطين السوريين في اعتصام أمام مبنى وزارة الداخلية في ساحة المرجة الشهيرة في دمشق، للمطالية بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين الذين اعتقلوا بعد ما سمي وقتها (ربيع دمشق)، وتم ملاحقة وسحل المعتصمين في شوارع المرجة ومنهم طيب تيزيني، السبعيني المثقف الكبير، الذي عومل من قبل عناصر الأمن والداخلية كما لو أنه خارج عن القانون، لا أحد أهم رجالات سوريا في الفكر الحديث.
على أن امرا كهذا لم يجعل اليأس يدخل قلبه، ولم يرض باستثماره لصالحه الشخصي، تجاهل ما حدث وتابع محاولاته في الإصلاح وهو ما دفعه للمشاركة فيما سمي (المؤتمر الوطني) الذي عقد في مجمع صحارى بعد انطلاق الثورة السورية، وبعد أن عمم النظام حله العسكري الأمني للقضاء على الاحتجاجات والمظاهرات ضده، وسرعان ما اكتشف تيزيني أنه لا يوجد أدنى بارقة أمل في الإصلاح، فعاد الى حمص، مدينته الأثيرة، وشارك في اعتصامات أبنائها، محاولا أن يشكل، مع عدد من مثقفي المدينة وديمقراطييها، صمام أمان في وجه الانفجار المجتمعي، الذي سرعان ما حصل ناسفا معه العقد المجتمعي والتعايش وفكرة المواطنة من أساسها.
ومع ذلك فإن الراحل تيزيني ظل متمسكا ببقايا الأمل، وهو ما دفعه للبقاء في حمص، رافضا كل دعوات الخروج منها الى اماكن تضمن له عيشا آمنا كريما وتحفظ مكانته العلمية والفكرية، لكنه شعر أن التخلي عن حمص ومغادرتها في ذلك الوقت يشبه الخيانة، فبقي فيها وهو يحاول مرة تلو مرة ان يحد من حالة انتشار خطاب الكراهية المتصاعد في المدينة المنكوبة، لكن صوت الموت والعنف والحقد كان أعلى بكثير من صوته المحب الهادئ العقلاني، وأظن أن الألم والحزن والخيبة كانت تعصر قلبه وتتلفه شيئا فشيئا وهو يرى نفسه عاجزا عن فعل اي شيء يوقف انياب الحقد القاتل التي فتكت بمدينته ودمرتها وشردت أبناءها، ولم يبق فيها من رفاقه سوى القلة ممن كانوا يعضون على جروحهم بأسنانهم، القلة القليلة جدا التي رافقت جثمان الراحل تيزني الى مثواه الأخير في مدافن حمص قبل سنة، حين توقف قلبه المتعب عن العمل معلنا رحيل أحد أهم المفكرين السوريين في العصر الحديث.
بقلم: رشا عمران

رشا عمران