كتاب وأراء

مـا قـيـمـة حـيــاة ذلـيــلــة؟

يهرب كثير من الناس من واقع مؤلم بوسائل شتى، وأهرب إلى تاريخنا فأختار صفحات مضيئة، علـّها تنسيني بعض ما نحن فيه، وأتذكر دائماً قول رسول الهداية صلى الله عليه وسلم «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» ويلفت انتباهي دائماً فعل «لأتمّم» أي كانت مكارم الأخلاق موجودة، وبُعث صلى الله عليه وسلم ليُتمِّمها، وأتذكر قول عنترة بن شداد:
وأغضُّ طرفي إن بدَتْ لي جارتي
حــتّى يُــواري جــارتـي مـأواهــا
ما الذي كان عنترة يغضّ عنه طرفه؟ هل كانت جارته عارية؟ لعلها كانت كاشفة شعرها، في أسوأ الأحوال.
عنترة بن شداد العبسي أحد أشهر الشعراء في الجاهلية، معلقتة مشهورة، وعرف بشعره الجميل وغزله العفيف بعبلة. ذاق مرارة الحرمان وشظف العيش ومهانة الدار لأن أباه لم يستلحقه بنسبه، وأغارت طيِّء على بني عبس، وكادت تُسلبها خيراتها، وتسبي نساءها، فصاح شداد بعنترة أن كُرّ، فأجاب عنترة: «لا يحسن العبد الكرّ إلا الحِلاب والصرّ». ولم يجد أبوه بداً من أن يمنحه اعتباره فصاح به: «كُرّ وأنت حُر» وكان النصر لبني عبس، فاحتفلت القبيلة بعنترة وكرّمته
مرت بنا قبل أيام الذكرى الثانية والسبعون للإشهار الرسمي لنكبتنا في 14/‏5/‏1948، يوم أعلنت دولة إسرائيل، وتسابقت دول العالم للإعتراف بها. كم يبدو ذلك التاريخ بعيداً، كأننا نتحدث عن سقوط بغداد أمام هولاكو، أو عن سقوط غرناطة أمام جيوش القشتاليين بقيادة ألفونسو وإيزابيل. هل كان سقوط العاصمتين مفاجئاً لأحد؟ لأن العرب المسلمين هانوا هنا وهناك، فكان هذا مصيرهم المحتوم
تفرقوا، ويعلمون أن قوتهم في اتحادهم، أهملوا العلم والعقل وانصرفوا إلى ملذات الغرائز، لم يأخذوا بأسباب القوة، ولم يعدوا ما استطاعوا منها، وتكرر هذا في القرن العشرين. يقولون كنا دولاً استقلت حديثاً ولا تملك أسباب القوة، حسناً، أعطى قرار التقسيم اليهود 55 % من أرض فلسطين، وهزمنا في 1967 وإسرائيل تحتل 78 % من أرض فلسطين فأكملت على ما تبقى مع سيناء والجولان، هل كنا أيضاً دولاً ناشئة؟
لسنا نتعلم من الزمان ولا من المكان، لا من تاريخنا، ولا من شعوب وأمم أخرى أصابها أعظم مما أصابنا. نطلب نصر الله تعالى، لكننا لم ننصر الله سبحانه لينصرنا، نقرأ التاريخ، ونقرأ تجارب الآخرين لكننا لا نعتبر.
قال أبو بكر رضي الله عنه لخالد بن الوليد: اطلب الموت توهب لك الحياة، والمؤمن لا يرمي بنفسه إلى التهلكة، لكنه لا يهاب الموت. قال عنترة:
لا تسقِني ماءَ الحياةِ بذِلـَّةٍ
بل فاسقِني بالعزِّ كأسَ الحنظلِ
ماءُ الحياة بذِلـَّةٍ كجهنّم
وجـهـنـمٌ بالعـزَّ أطـيـبُ مـنـزلِ
بقلم: نزار عابدين

نزار عابدين