كتاب وأراء

عن أدب الحرب السورية «1»

ـــــ من أكثر الأشياء التي كانت تلفتني في الأعوام الماضية، أعوام الثورة والحرب في سوريا، وما رافقهما من موت ولجوء وتشرد وفقدان أمل، هو العدد المهول من الأعمال الأدبية التي صدرت خلال السنوات الماضية، والتي تتحدث عن الثورة والحرب وتداعياتهما، وبالتحديد الروايات السورية، حيث كتب السوريون خلال السنوات التسع الماضية عشرات الروايات من وحي الحدث، إلى حد يظن معه القارئ أن الروائيين السوريين في حالة سباق مع الزمن ومع أنفسهم ومع بعضهم البعض: من سوف يكون الأسرع، والأمر نفسه بما يخص يوميات الحرب، أو السرد المتعلق بحكايا الناجين من الموت، سواء في المعتقلات أو في التغريبة الاستثنائية التي ميزت عقد السوريين الماضي، والتي ما زالت مستمرة حتى اليوم، فالحرب في سوريا لم تتوقف، رغم كل الإعلانات عن توقفها، بل تأخذ حاليا أشكالا جديدة، أهمها الأزمة الاقتصادية الخانقة، والفقر الذي يكاد يجعل السوريين في الداخل جميعا تحت خط الفقر، باستثناء تجار الحرب، وبطبيعة الحال البطانة المحيطة بالنظام، والتي بدأت تتصارع وتأكل نفسها حاليا، حسب ما يظهر في العلن من صراعات على النفوذ والسلطة والهيمنة والسرقة بين أهم عناصر النظام.
لم تنته الحرب إذن، ولم تتوقف ولم تسترح حتى، ولم يتمكن السوريون، لا في سوريا ولا خارجها، من التقاط أنفاسهم قليلا، ومع ذلك لا تتوقف الأعمال الأدبية السورية المختصة بالموضوع عن الصدور، ربما الشعر وحده من سائر الفنون الأدبية من قدم نفسه بخجل في استعراض أدب الحرب والثورة، وربما السبب في أن الشعر، الحديث منه على وجه الخصوص، يصدر عن تمثل الحدث في الوعي لينسجه اللاوعي في علاقات لغوية جديدة لا تحمل ما يحمله السرد من مباشرة ووضوح، وإنما إحالات ودلالات تجعل من الشعر فن التخييل العابر للزمن وللحدث الآني، ربما هذا هو السبب الذي نحى، في السابق، معظم شعراء القضية (الفسطينية والمقاومة) بانتهاء زمنهـا، ولم يبق منهم سوى الشعراء ذوي المخيلة العالية الممسوسين بأسئلة الوجود وتفاصيله، أكثر من مسهم بالأسئلة الراهنة سياسيا واجتماعيا، وربما أيضا هذا ما يجعل من فن الشعر أكثر نخبوية، على عكس الرواية، التي يتم بها تحديد عدد القراء ونسبتهم في بلادنا.
ورغم أن العمل الروائي قد ينجح في توثيق اللحظة الراهنة، وفي توثيق ما يمكن للتاريخ أن يمحوه (فالتاريخ يكتبه المنتصرون)، إلا أن ذلك لا يبرر هذا الكم الهائل من الأعمال الروائية المتعلقة بالحرب، فالتوثيق عمل آخر، ليس من مهام العمل الأدبي، كما أن السينما والصورة في عصرنا الحالي أشد تأثيرا في تجسيد اللحظة وتوثيقها وانتشارها من العمل الأدبي، مهما كان العمل الأدبي عظيما، الأدهى أيضا أن معظم من يكتبون أعمالا روائية وسردية عن الحرب يعيشون خارج الحرب منذ زمن، منهم من هو مغترب منذ ما قبل الحرب والثورة بسنوات طويلة، ومنهم من خرج من سوريا منذ السنة الأولى للثورة، هؤلاء يكتبون أعمالا روائية تخييلية عن حرب حاصلة بالفعل الآن وهم منهمكون بالكتابة، سمعت عن دار نشر غربية منحت شابا لم يتجاوز الثلاثين عاما اليوم منحة كبيرة ليتفرغ لكتابة رواية عن الحرب وهو يعيش في دولة أوروبية منذ عام 2012، أي خرج من سوريا وهو لم يتجاوز العشرين عاما من عمره، ما الذي رآه هذا الشاب من الحرب ليكتب عنها عملا روائيا ما ؟!
قد يقول أحدهم إن غالبية الروايات العالمية التي كتبت عن الحروب كتبها روائيون لم يعيشوا الحرب، بل سمعوا عنها من آبائهم وأجدادهم، وهو صحيح تماما، لكن هذا البعد الزمني يتيح للكاتب أن يرى الحدث الماضي من زوايا متعددة، إنسانية وأخلاقية ولوجستية وفنية، بحيث يغني عمله بتفاصيل إنسانية كبيرة، فالحرب عموما بين طرفين، وليس هناك ما يسمى في الحياة أبيض وأسود، وحتما هذه الثنائية غير موجودة في الأدب.
{ (يتبع)
بقلم: رشا عمران

رشا عمران