كتاب وأراء

ذكريات موستار «4»

بعد السرقة، طمأنت والدتي أن معي من المال ما يكفي، ثم أن جوازات السفر محفوظة بالنُزُل، أما عن باقي الأوراق الثبوتية، فسنستخرج بديلا لها بعد العودة للوطن.
بالفندق، أخبرونا بضرورة إثبات واقعة السرقة بالمخفر، لأن ذلك سيساعدنا في استخراج الوثائق الجديدة.
في الصباح، وكان اليوم الأول لعيد الأضحى، لم يكن في تخطيطي قضاء العيد في «الكاراكول».
هنالك، استقبلنا ضابط دمث، يجيد الإنجليزية، وأفهمنا أنه سيمنحنا ما سييسر إعادة استخراج الأوراق الثبوتية، لكن والدتي ألحت في السؤال حول إمكانية استرجاع النقود.
خاطبها: أمي، أريد مساعدتك، وسأرتب لك مقابلة مع مخضرم في مجال الجريمة، ليشرح لنا ولك كيف يتصرف اللصوص مع مسروقاتهم.
دقائق ودخل علينا عملاق عربي.
مد الرجل يده ليسلم على والدتي، فأبت أن تصافح لصًا، ولقد كانت هذه الحادثة بمثابة أول لقاء لي مع لص وجهًا لوجه.
لم يخامرني ريب أنني بإزاء تجربة مركزة تتيح لي اختصار خبرات عقد من الزمان في ساعة، كطالب وجب عليه دراسة منهج العام كله في ليلة واحدة.
جلس اللص العربي مستريحًا على مقعده وقد صلب أقدامه قبالة أمي، فبصر إليه الضابط، فاعتدل في جلسته:
ماذا تريدين سيدتي؟
: لقد سرقت محفظة والدتي وبها نقود ووثائق هامة، ونحن نعلم أن لا أمل في عودة المال، لكننا نأمل في استرجاع الأوراق، إذ ما مصلحة السارق في الاحتفاظ بأوراق لن تنفعه؟
أطلق اللص العربي العملاق ضحكة جلجلت حائط «الكاراكول» وقال: أنت تعولين على أخلاقيات اللص، وتأملين منه التلطف وإعادة المحفظة سرًا.
جاء تعليقه صفعة على وجنتي سذاجتي. سيدتي، إن القاعدة الأولى لدينا هي «أن النار كاتمة أسرار»، فثقي أن أوراقك الثبوتية قد باتت رمادا، فهي لن تنفعنا، إلا أن إعادتها ستضُرنا.
امتعضت والدتي من الصدمة، فأمر الضابط اللص بالمُضي، ثم سأل والدتي عن جوازات السفر، فأخبرته أنها بالنزل.
طلب الضابط مني الذهاب للفندق لإحضار الجوازات، على أن تبقى والدتي في مكتبه.
ذهبت مسرعة وعدت، لتخبرني أمي أن الضابط لم يكن بحاجة للجوازات، لكنه أراد أن يسألها على انفراد -دون إحراجها أمامي- عما إذا كانت بحاجة لأن يقرضها من ماله.
قالت: لقد ألح، كابن بار، واستحلفها ألا تتحرج وأخبرها أنها تستطيع رد المال لدى عودتها إلى وطنها.
وعبثا تحاول إقناعه أن لدينا فائضا من المال يكفينا، لكنه لا يفتأ يلح بلطف آسر.
اعتذرت والدتي عن المال، لكن خلقه الطيب كان ساحرًا، ولو كان ضياع ضعف ما كان بحوزتنا من نقود هو ثمن أن يُعرفنا الله بمخلوقات على هذا القدر من الطيبة،، فحيا وهلا بالخسائر.
يقول الأستاذ محمد زكي عبد القادر: «إن من اللقاء ما لا يتجاوز الدقائق ولكنه يتجاوز العمر، يتجاوز الزمان والمكان».. كم لمست تشابهًا بين شرقيتنا كعرب وأتراك.
لكن بمرور العمر، نما لذهني أن الأمر لا علاقه له بتشابه جغرافي، ثقافي أو عقائدي:
فالمفارقة، أنه قد تتشابه طينة الأخلاق والطباع، أكثر مما تتشابه طينة الإقليم والضِيَع.
لكن يؤسفني القول أنه يوجد بيننا من يتكبر على بعض جغرافيًا، تاريخيا وحضاريًا، عوضًا عن التقارب مع بعضنا البعض.

داليا الحديدي
كاتبة مصرية

داليا الحديدي