كتاب وأراء

دائرة الخوف المغلقة

ـــــ لم يسبق في التاريخ البشري المعروف أن حصلت جائحة وانتشرت في أرجاء المعمورة، مشابهة لجائحة كورونا، ليس من حيث خطورتها، إذ مر على البشرية وباءات عديدة خلفت ملايين الضحايا، خلال فترة زمنية قليلة، وبالقياس إلى هذا، لا يمكن اعتبار فيروس كورونا، قاتلا مشابها للأنفلونزا الإسبانية التي انتشرت في أوروبا عام 1917، ولا مرض الطاعون بمختلف أشكاله، ولا الجدري.
وكلها أمراض قاتلة تسببت بمقتل ملايين البشر خلال زمن قليل نسبيا، وهو ما لا يبدو أنه خاصية يمكن أن نصف بها الفيروس الجديد، فأعداد ضحاياه المعلنة حتى اللحظة، بعد أشهر عديدة من ظهوره، لا تتيح اعتباره مرضا قاتلا، الاستثنائي بهذه الجائحة، هو سرعة انتشار المرض، وسرعة التقاط عدواه، والجهل التام في طريقته في اختيار ضحاياه ومهاجمته لهم حتى الموت، والجهل في كيفية مقاومة الملايين له، حين يمر عليهم في معركته مع أجهزة مناعتهم!..
استثنائيته أيضا أنه أتى في زمن متطور في وسائل النقل وحركة التجارة والسفر، مما سهل جدا حركة انتشاره وتنقله وتعميمه على كافة أرجاء كوكب الأرض، بينما انحصرت الأوبئة القديمة في أماكن محدودة أو تتقارب في الحدود الجغرافية، مما سهل السيطرة عليها لاحقا.
هذا الانتشار السريع للفيروس على الكوكب البشري، وتضارب المعلومات والاتهامات السياسية حول نشأته وأسبابه، وضع البشر جميعا، لأول مرة، في دائرة خوف واحدة ومتشابهة، ومغلقة للأسف حتى الآن، لم يعد بإمكان أحد الخروج منها، فمن نجا من العدوى، وتجاوز خطورة المرض على المستوى الصحي، فإنه لم ينج من النتائج السلبية التي خلفها المرض، والتي ستطبع حياتنا، على مايبدو، إلى وقت طويل، ليس فقط على المستوى النفسي، وما سوف يتركه تراكم الخوف، والعزلة المفروضة على البشرية، والعلاقة المجتمعية مع كبار السن، والتي استطاع الفيروس تعريتها، وإنما، الأهم، آثاره على الوضع الاقتصادي العالمي، وانعكاس هذا الوضع على المجتمعات البشرية وعلى الأفراد، فالخسائر في معظم القطاعات تبدو مهولة، كقطاعي النقل والسياحة والفنون، والعاملين فيهم، وأصحاب المشاريع الصغيرة والمهن الحرة، والملايين من العاملين اليوميين حول العالم، وعشرات المهن الأخرى التي توقفت تماما، بسبب توقف الحياة مع انتشار الفيروس، هذا خلف وسيخلف جيوشا بأكملها من العاطلين عن العمل، ولكم أن تتخيلوا شكل البشرية وتركيبة المجتمعات، لاسيما في دول العالمين الثاني والثالث، حيث لا ضمان اجتماعيا ولا حقوق للفرد ولا ضمان للشيخوخة، ولا مجتمعات وهيئات مدنية يمكنها أن تخلق مبادرات للتضامن الاجتماعي والإنساني، الفقر والجوع والتشرد هو ما يرشح حاليا من علائم الفيروس على البشرية، مضافا لما خلفته سنوات طويلة من الحروب والصراعات العسكرية والسياسية والاقتصادية، في مختلف دول العالم الثالث منذ عقود.
ما سبق كله سوف يضع البشرية أمام أكبر اختبار إنساني يمكنها أن تمر فيه، هل سوف تتكاتف المؤسسات والهيئات الدولية والأنظمة الحاكمة لإيجاد حلول للكوارث الاقتصادية التي سيخلفها الفيروس، وتضع الخطط والاستراتيجيات التي يمكنها أن تحمي البشرية، لا سيما الشعوب الفقيرة والمنكوبة أصلا، من مستقبل أكثر تشاؤما وسوادا؟، وهل سيمكن لهذه الاستراتيجيات، إن وجدت، أن تعيد تشكيل هيكل العالم من جديد، بحيث يخف توحش رأس المال العابر للقارات وللأعراق والأجناس والأديان، قليلا، والذي لا يمكن تبرئته، بأية حال من الأحوال، مما يحصل حاليا، بغض النظر عن منشأ الفيروس.. فالصراعات الاقتصادية بين أقطاب رأس المال وتوحش تلك الصراعات، هو أحد أسباب دائرة الخوف الكبرى المغلقة علينا، أم أن الشركات والمافيات الحاكمة للعالم، سوف تجد فيما يحصل فرصة إضافية لزيادة توحشها وزيادة أرباحها عبر المزيد من الخطط للتخلي عن ملايين الموظفين والعاملين في العالم، ضاربة بالإنسانية وقيمها وعرض الحائط؟!
يبدو التفاؤل في أمر كهذا ليس سوى من باب التمنيات ومحاولة حلحلة خطوط الدائرة المحكمة لا أكثر.
على أنه، من جهة أخرى، فإن سيرورة التاريخ لا يمكن التحكم بها، وقدرة البشر على النجاة مذهلة.
بقلم: رشا عمران

رشا عمران