كتاب وأراء

مـقـتـطـفـات صـحـفـيـة عـاجـلــة

• من الكلمات كثيرة الورود في كتابات الصحفيين والكتاب كلمة «شتى» ويخطئ معظمهم في استعمال هذه الكلمة فيضعونها قبل الكلمة التي يريدون، كقولهم: في شتى المواضيع، في شتى المجالات، وهكذا، وما قادني إلى البحث عن الكلمة ومعناها واستعمالاتها قول أحدهم: «أدبنا حافل بشتى المجالات والرسائل المتخصصة بشتى المواضيع» أولاً ما معنى الكلمة؟ وفيم تستعمل؟
الشت: للافتراق والتفريق، شت شعبهم يشِتُّ شتاّ وشتاتاً: تفرق جمعه، والمصدر «شتاتاً» هو الأشهر والأكثر استعمالاً. قال تعالى في سورة الزلزلة «يومئذ يصدر الناس أشتاتاً ليروا أعمالهم» أي متفرقين. وقوم شتى: متفرقون، وأشياء شتى: متفرقة. إذن شتى تأتي للوصف، فنقول: يحوي السوق بضائع شتى، أي بضائع متفرقة، وهكذا نجد أن القول «شتى المجالات» خطأ، لأن الصفة لا تأتي قبل الموصوف، قال الفرزدق:
أحبُّ من النساء وهنّ شتى حديث النزْر والحدَق الكِلالا
• أجدني مضطراً أحياناً إلى التذكير بما سبق أن قلناه مراراً، ومن هذه الملاحظات كلمة «منذ» وهي كما يشرحها المعجم من حروف المعاني، وتقول: ما رأيته منذ يومين، أو تقول: لم يزرني منذ العام السابق، وتقول: أنا في عملي هذا منذ عشر سنين، ويمكن أن تكتفي بهذا، ويمكن أن تضيف: حتى اليوم. الخطأ الشائع أنهم يضعون «منذ» في سياق لا يعني الاستمرار، كأن تقول: ألقى الشاعر قصائده هنا منذ عشرين عاماً، هل ما زال الشاعر يلقي قصائده حتى الآن؟ كان على المتحدث أن يقول: ألقى قصائده قبل عشرين عاماً. ويقول: تخرجت في الجامعة (وليس من الجامعة) منذ عشر سنين، وهذا يعني أن فعل التخرج استمر عشر سنوات، والصحيح: تخرجت قبل عشر سنوات.
• ليست المصيبة اليوم في الأخطاء النحوية والصرفية وحدها، بل ينسحب الأمر على التراكيب والجمل الركيكة، واللغة العربية لغة البيان المشرق والفصاحة. هذا كاتب يتباهى بالمناصب التي تولاها، ولا تشفع له حين يخطئ. اقرؤوا هذه الجملة «في كل الأحوال، إنّ من المفترض هو أن المعروف لكل أردني ولكل عربي أيضاً هو أنّ المرة الوحيدة» إن هذا من الكلام كالماء الآسن بين الأشربة، تعافه النفس وتشمئز من رائحته، وقال العرب: البلاغة أن تأتي من الكلام بما تحتاج إليه، وتدع ما يستعنى عنه, وقالوا: البلاغة أن تظهر المعنى صحيحاً واللفظ فصيحاً، وكان عبد الله بن يحيى وزير آخر ملوك بني أمية يقول: البلاغة ما رضيته الخاصة وفهمته العامة، فهل ما أثبته مما تنطبق عليه هذه التعريفات؟
• من دقائق اللغة التي قد لا ينتبه كثيرون إليها أنهم لا يفرقون بين المنع الجزئي والمنع المطلق، خذ هذه الجملة «ولا يجب على الدول العربية أن تصادق على هذه المشاريع» أو «لا ينبغي أن نؤجل المشروع» نلاحظ هنا أن القولين منعا «الوجوب» مرة بفعل «يجب» ومرة بفعل «ينبغي» ولكن القول لم يمنع الجواز، ففي الجملة الأولى يمكن أن نضيف «ولكن يجوز لبعضها» وكذلك في الثانية. أما في اللغة الفصيحة فإنك يجب أن تمنع منعاً قاطعاً لا «جواز» فيه، والحل في حرف «لا» ففي الجملة الأولى كان الأصل «يجب على الدول العربية أن» فإذا أردنا المنع المطلق فإننا نضيف «لا» إلى الحرف «أن» فتصير «أن لا» ويدغم الحرفان فيصيران «ألّا».
• في أواخر سبعينيات القرن الماضي أو أوائل الثمانينيات سعد الأطفال ومعهم الكبار ببرنامج ترفيهي تعليمي عنوانه «حكايات عالمية» وكانت أغنية المقدمة بصوت صبية صغيرة أصبحت مطربة مشهورة فيما بعد وهي أصالة نصري، أو باختصار«أصالة» والبرنامج من إنتاج شركة يابانية عامي 1976 و1977 وقد اشترت شركة «النورس» الكويتية حقوق دبلجته وتوزيعه، ورأيت في عناوين البرنامج أن المشرف اللغوي يدعى «محمد هاشم» المهم أن الشركة وفرت مشرفاً لغوياً.
كتبوا في أسماء العاملين «لحني البداية والنهاية» ولماذا لحني؟ ألا يجب أن تكون «لحنا»؟ واستمعت إلى الأغنية التي تقول كلماتها «في قـَصص الشعوب... طرائفٌ لا تنتهي.. وعالم حلو بهي» وتجاوزت عن تنوين «طرائف» فقد اضطر الكاتب لهذا لضرورة الوزن، بينما هي «طرائفُ» لأنها ممنوعة من الصرف والتنوين على وزن «مفاعل» ولكنني توقفت عند كلمة «قصص» ولماذا اختار أن يكون حرف القاف بالفتحة وليس بالكسرة «قِصص»؟
الكلمة بفتح القاف أو كسرها من الجذر «قصص» ولاحظوا أن الفعل «قصّ» قد يعني حكى، قال تعالى في سورة يوسف «قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً» وقد يعني قطع، وقد يعني تتبع عندما «قص أثره» ومنه اقتص وقِصاص، ومن هذا الجذر أيضاً المِقص، لكن ما يهمنا هو «القصص».
القِصة هي الحكاية، والجمع قِصص، أما القـَصص فما رواه القرآن الكريم من أخبار الأولين ولاسيما الأنبياء عليهم السلام، قال تعالى: نحن نقص عليك أحسن القـَصص، أي نبين لك أحسن البيان، وفي القرآن الكريم سورة باسم «سورة القصص». كان على من ألف هذه الأغنية أن يقول «في قِصص الشعوب».
• يا أهل الإعلام نرجوكم أن تتوقفوا عن إشاعة الخطأ، فلا تقولوا: وحارب ضد المستعمر، لأنكم بهذا جعلتموه يحارب مع المستعمر من هو ضده. ليست القضية أن يفهم الناس مرادكم، وإلا سمحنا لكم بالكتابة بالعامية، القضية أنها لغتنا، وعاء ثقافتنا وحضارتنا. «ضد» اسم وليست ظرفاً مثل «حيث» والدليل أنها تعرف بالألف واللام، قال البحتري:
وقدْ دفعوا بُخلَ الزّمانِ بجُودِه ولا طبّ حتّى يُدفـَعَ الضّدُّ بالضّدّ
وتُنوّن، قال تعالى في سورة مريم «سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدّاً» وقال المتنبي:
ترى حيوان البرّ مُصْطلِحاً به يُحارِبُ ضِدٌّ ضِدَّهُ ويُسالِمُهْ
وتُثنى، قال لسان الدين بن الخطيب:
تنازعني الضدّان فيكِ على النوى فجسْمي سقيمٌ والودادُ صحيحُ
وتُجمع، قال المعري:
رُبّ لحْدٍ قد صارَ لَحْداً مراراً ضاحكٍ مِن تزاحُمِ الأضْدادِ
أما الظرف فإنه لا ينوّن ولا يعرّف ولا يثنّى ولا يُجمع، سواء كان ظرف مكان أم ظرف زمان، نحو أمد وحين وأمام ووراء وغيرها.
• حكاية تسمية الشهور العربية (القمرية) حكاية لطيفة، وأول من أطلق على الأشهر العربية أسماءها هو كلّاب بن مُرّة، وقيل كعب بن غالب، وهو أحد أجداد رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما أنه أول من سمّى الأيام بأسمائها التي نعرفها، فمثلاً كان يوم الخميس يسمى مؤنس، وكان يوم الجمعة يسمى عَروبة، فسماه الجمعة لاجتماعهم في دار الندوة في الحرم المكّي، وسمى السبت بهذا الاسم لأنه يوم الراحة.
أما الشهور فلتسمية كل شهر بالاسم الذي نعرفه سبب، ولن أطيل عليكم، لكنني لاحظت أن كثيرين يكتبون «ربيع الثاني» و«جُمادى الثانية» وهذا خطأ، بل هما ربيع الآخر وجمادى الآخرة، لأن ما له ثان يجب أن يكون له ثالث وهكذا.

نزار عابدين