كتاب وأراء

الدراما والبرامج العربيَّة - رصاصةٌ تحت الجلد!

شخصيًا لست من المتابعين لماراثون المسلسلات والبرامج الرمضانية، لكني من المهتمين بها، وأقصد بالاهتمام هو رغبتي في معرفة ما يتمّ تناوله من مضامين في هذا الشهر الذي يُعتَبَر الشهر المفضّل للمنتجين والمخرجين لتقديم أعمالهم الفنية والدرامية والبرامجيَّة المختلفة وتسويقها على قنواتنا، وذلك لتحقيق مآربهم البعيدة كُليًا عن ترسيخ القيم الهادفة، التي تتمحور في البيع والتسلية الغارقة وغيرها من المقاصد الترويجية والتغييبية لأمة كُبرى يسهل سرقتها إعلاميًا وتنويمها في الإغراق عبر وسائل الإعلام الكلاسيكية والجديدة.
إنَّ أبرز ما يتكرر عامًا بعد عام خاصةً في موسم رمضان؛ هو تلك المضامين التي تتعرض لدعاتنا بشيءٍ واضحٍ أو مبطن؛ من الاستهزاءِ والسخرية، فالجمهور المسلم يتعرَّضُ كل يوم لأشكالٍ متنوعة من هذا التنكيل المعنوي «وهو لا يدري» في المسلسلات والمسرحيات والقفزات السريعة في البرامج الحوارية، التي تنالُ في مقصدها من صورة المسلم الملتزم والمتدين، فالجمهور عادةً لا يدري من أيٍ منهُ يستهزئ هذا أو ذاك، السواد الأعمّ يضحك «فحسب»، وهو لا يدري أنَّهُ يضحك على نفسه ملءَ فمِهِ بكُلِ أسف!
إنَّ أكوام المواد الإعلامية التي أحاطتنا عبر سنوات تشكيلنا الأول حتى الآن؛ شكلت صورة معينة للمتدين والداعية، فمنذُ زمنٍ بعيد يتم الاستهزاء بنا وبدعاتنا من حيث ندري ولا ندري، فتقبَّلنا تدريجيًا مع الأيام أن نستسيغَ مشهدًا للممثل «س» يُقلد فيه «المطوع» أو المأذون على سبيل المثال، فتجدهُ يُظهره على أنَّهُ رجلُ شهواني أو ساذج غير متحضر أو أحمق، إلى غير ذلك من الأمثلة والشواهد.
قارئي العزيز، إنَّ عروجًا سريعًا على نمط البرامج التي تروجها الفضائيات العربية مؤخرًا يؤكد لنا أنَّ صُناع ومنتجي البرامج الخلاقة مالوا إلى الكسل وباتوا يكررون أنفسهم مراتٍ كثيرة، حيث تجد أنهم يأخذون عددًا من الأفكار التي قُدِّمت في برامج التليفزيونات الأميركية والبريطانية وغيرها ويقومون بتوليفها للعرض في نسخها العربيَّة ما يجعل سقف الإبداع والتميز ينهار على أصحابه كل مرة. إنَّ هناك عشرات الدراسات وأوراق العمل والأبحاث، ومئات المقالات والتحقيقات الصحفية التي ناقشت آثار ظاهرة الدراما والبرامج الهابطة في الفضاء العربي، وهناك ما يُشبه الإجماع بأنَّ المُحصِلة في الجانب الأخلاقي والقيمي هي نتيجة سلبية وخطيرة تتمثل في خلخلة فكر المجتمعات وقيمها ونسيجها المترابط، وإعاقة حركة نهوضها وتقدمها وتنميتها البشرية، بالإضافة إلى تقليل قدرة الإنسان على أن يبذل جهدًا عقليًا منظمًا لتطوير نفسه وبناء ذاته، وتطوير مجتمعه، واستنزاف أوقات الشباب وطاقاتهم، وإلهائهم عن حياتهم، وإغراقهم فيما لا يعود عليهم بالفائدة، ناهيكَ عن استغلال الموارد المالية للمشاهدين، واستنزاف قدراتهم المادية، بأساليب متعددة ومتنوعة، بالإضافة إلى تحويل الشباب العربي إلى مستهلكين شديدي الولاء للجوانب السلبية في الثقافات الأجنبية، فلا يتم تسويق قيم العمل وأخلاقه، ولا البحث العلمي وأدواته، ولا الالتزام المجتمعي ومؤسساته، ولا الحِراك الحضاري وآلياته، وإنما يقوم الإعلام السلبي بتسويق أخلاقيات الشوارع المظلمة، والطبقات السفلى من الثقافات الأجنبية، الأمر الذي يؤدي إلى تغيير وتبديل وقلب للمفاهيم وتزييفها أمام المشاهدين، فالإعلام السلبي يجعل التديُّن تخلُّفا ورجعيَّة، واللصوصيَّة بطولة، والغدر كياسة، والخيانة فطانة، والاحتيال ذكاء، والعُنف هو أقصر الطرق لتحقيق المآرب، وعقوق الآباء تحرُّر، وبرُّ الوالدين ذل، والزواج رق واستعباد، والنشوز حقّ، والعفَّة كبت، كما أنَّ هذه المواد قد تقوم بإثارة الغرائز الجنسيَّة، وتشجيع انتشار الرذيلة، والترويج لشرب الخمور، وتناول المسكرات، وتعاطي المخدرات، ولا يكون ذلك بإعلانات مباشرة، ولكن بالتضمين والإدراج والإيحاء، في سياق المحتوى الإعلامي الذي يجعل من هذه الانحرافات شيءًا شهيًا مغريًا يحفِّز الإنسان لتجربته.
إنَّ المواد الدرامية والتلفزيونية هي محطات وقتية هامة في جدول البث التلفزيوني (الأرضي والفضائي) لأي شبكة تلفزيونية على وجه الأرض، عدا تلك القائمة على بث الأغاني أو الأفلام عبر شبكات تخصصية ضمن باقة من القنوات المنوعة لنفس المحطة، وفي الحقيقة جُل ما يشد المتابعين لأي محطة هي اهتمامها بتنويع موادها الدراميَّة والبرامجيَّة في خريطة بثها الدورية، بحيث تستقطب جميع الشرائح أو حتى أغلب الشرائح العمرية وأصحاب الذائقة النوعية، لذا نجد أنَّ الغالبية في فضائنا العربي يجنحُ إلى النشاط والتميُّز في فترة الذروة التلفزيونية وهي مواسم (رمضان والعيدين والمناسبات الوطنية والعالمية) خاصة أنَّ جيوب الإنتاج تكون مليئة بالميزانيات التي تبُخُّ بها على هذه المحطات أيًا كان نوعها، بهدف الترويج الدعائي أولًا وبهدف مآرب براغماتية أخرى ثانيًا. ولمّا كانت هذه المواسم هي ذروة الاتِّقاد والاشتعال لكلِّ ما هو إبداعٌ وفنٌّ في تقديم مضامين وأساليب دراميَّة وبرامجية مبهرة للجمهور، نلاحظ أنَّ الصرعة الجديدة باتت أكثر إفلاسًا، حيث لا جديد يقدَّم إجمالًا؛ رغم أنَّ قاعدة التعميم فاسدة، إلا أنَّ هذا الإجمال الذي أتحدث عنه يكادُ أن يعمَّ الأصقاع إلا ممن رحم ربي!
إنَّ العتب الشديد يقَعُ على صُنّاع الدراما والبرامج الهابطة التي تقدم على أغلب الفضائيات العربية؛ فهؤلاء يعلمون بلا شك تأثير هذه المواد على الجمهور بشكلٍ مباشر وترويجها لثقافاتٍ دخيلة وسطحيَّة، مع إصرارهم على إنتاج المزيد من الدراما المؤدلجة أو البرامج الغنائية الهابطة أو برامج المسابقات التافهة أو الفوازير المليئة بالإيحاءات الخادشة، ناهيك عن البرامج التي تسلُبُ لُبَّ المشاهد، التي تُبنى على الفضائح أو على خديعة الضيوف والمشاهير والفنانين والضحك على عقول الجميع تحت ستار (التسلية) والجمهور هكذا يريد!
إنَّ مرحلة العتب وكل هذا التنظير الذي نقوم به نحنُ الكُتّاب والنُقاد في آثار مثل هذا النمط الدرامي البرامجي يجب أن يتطور ويدخُلَ حيِّز التطبيق، بحيثُ لا يسمَحُ مُلاك هذه القنوات أيًا كان توجهها بعرضِ مثل هذه التفاهات في المدة الزمنية التلفزيونية وألا يتم حشوُ فضائهم بأي شيءٍ كان، ليسُدّوا الوقت المترقب فحسب، كما يجب على الجهات المسؤولة أن تتدخل لإيقاف هذه المشاريع الدراميَّة والبرامجية الهابطة، والأهم من ذلك إجهاض مثل هذه الأفكار التلفزيونية ومطاردتها قبل أن تصل إلى الشاشات وتلعب في عقل المشاهد بمختلف مستوياته الفكريَّة والعمريَّة.
***
المقال الموالي سيتناولُ سيناريُو تطبيع الدرامي مع الكيان الصهيوني إن شاء الله تعالى.
بقلم: خولة مرتضوي

خولة مرتضوي