كتاب وأراء

الـخـلـيـفـة المـظلـوم عبد الحميد الثاني «3-3»

عبدالله رضوان
كاتب تركي
في 31 مارس عام 1909 وقعت حادثة مدبَّرة، قُتل فيها المئات في اسطنبول، واتّهم فيها السلطان الذي كان بريئًا منها براءة الذئب من دم يوسف، حاول المناهضون للسلطان الضغط على شيخ الإسلام لاستصدار فتوى بخلع عبد الحميد لكنه رفض، وفي النهاية وبعد جهد حصلوا على توقيع أحد العلماء.
وتم تكليف وفد مؤلف من أربعة أشخاص لمقابلة السلطان عبد الحميد ليسلموه قرار خلعه من عرشه، وهؤلاء الأربعة هم: (قره صوعمانوئيل اليهودي، أرام الأرمني، أسعد طوطاني، عارف حكمت باشا)، وهنا أرجو منكم أن تتوقفوا معي عند شخصية (قره صوعمانوئيل اليهودي) ماذا كان يفعل مع الوفد؟ وما هو الدور الذي لعبه في مسرحية 31 مارس؟ ولمن لا يعرف المحامي (قره صو) فهو من لعب دورًا محوريًّا في احتلال إيطاليا لليبيا مقابل مبلغ طائل دفعته له إيطاليا.. نعم كان المطلوب أن تكون الطعنة القاتلة بيد يهودي؟ لقد جاء ليقول للسلطان: إننا ماضون في مشروعنا وها أنت تعاقب لأنك اخترت الإسلام وأمتك ورفضت أن تكون تابعًا لنا.
ولكن هيهات هيهات أن يوهن ذلك من عزم السلطان، بقي إلى اللحظة الأخيرة شامخًا حتى وهو يتسلم قرار خلعه وإخباره بنفيه إلى سالونيك.. نعم فما كان لليهود أن يسامحوا عبدالحميد، كيف يرفض تقديم فلسطين وطنًا لهم؟! ولم يكتفوا بخلعه عن عرشه، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك حينما طلبوا من كل دوائر الشر أن تشرع في تشويه صورة هذا الخليفة، وإسباغ صورة المستبد عليه، ووصفه بالخليفة الظالم.
وكيف لا يستطيعون ذلك: (وقد كانت صحافة أوروبا في قبضتهم، فكان في مقدورهم إطلاق العواصف التي يريدونها لدى الرأي العام متى شاؤوا)، وما كان لتلك الدوائر أن تشرع فيما طلب منها حتى تلقف أكثر المؤلفين المقولة (عبد الحميد الظالم)، وسرت تلك العبارة كالنار في الهشيم، بل امتدت وتسللت نيران تلك الفرية إلى بعض المناهج العربية، وهكذا تشكل في ذهن الطلاب العرب أن عبدالحميد هو نسخة عن (نيرون) الظالم، وقد جهل هؤلاء أن عبد الحميد كان من أكثر المدافعين عن العرب وحقهم في فلسطين، وكيف لا؟ وهو القائل: (فإن كنا نريد أن يبقى العنصر العربي متفوقًا، علينا أن نصرف النظر عن فكرة توطين المهاجرين اليهود في فلسطين، وإلا فإن اليهود إذا استوطنوا أرضًا تملكوا جميع قدراتها خلال وقت قصير، ولذا نكون قد حكمنا على إخواننا في الدين بالموت).
لك الله يا سلطاننا كم ظلمت، وظلم القرابة أشد مضاضة! ويعيش السلطان في منفاه عشر سنوات، ومع ذلك لم تلن عريكة إيمانه وبقي شامخًا، وأعلن للملأ والتاريخ أنه لمتبع شرفه وشرف أجداده، وهذه رسالته التي بعث بها للشيخ العارف بالله الدمشقي «محمود أفندي أبو الشامات» يبرأ فيها من بيع فلسطين أرض الطهر مسرى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، يقول السلطان في رسالته: (وأصروا بأن أصادق على تأسيس وطن قومي لليهود، وفي الأرض المقدسة «فلسطين»، ورغم إصرارهم لم أقبل بصورة قطعية هذا التكليف، وأخيرًا وعدوا بتقديم (150) مائة وخمسين مليون ليرة إنجليزية ذهبًا، فرفضت بصورة قطعية أيضًا، وأجبتهم بهذا الجواب:
إنكم لو دفعتم ملء الدنيا ذهبًا فضلًا عن (150) مائة وخمسين مليون ليرة إنجليزية ذهبًا، فلن أقبل بتكليفكم هذا بوجه قطعي، لقد خدمت الملة الإسلامية والأمة المحمدية ما يزيد عن ثلاثين سنة فلم أسود صحائف المسلمين آبائي وأجدادي من السلاطين والخلفاء العثمانيين، لهذا لن أقبل تكليفكم بوجه قطعي، وحمدت المولى وأحمده أنني لم أقبل بأن ألطخ اسم الدولة العثمانية والعالم الإسلامي بهذا العار الأبدي الناشئ عن تكليفكم بإقامة دولة يهودية في الأراضي المقدسة «فلسطين»).
ثم ماذا بعد يا أيها السلطان؟ ثم ماذا بعد يا شرف الإنسانية؟ أي ضمير حي لا يحركه هذا المشهد؟ وأي ضمير لا يحركه قولك: لماذا نترك القدس.. إنها أرضنا في كل وقت، وفي كل زمان.. نعم ستبقى القدس إسلامية رغم أنف كل حاقد ورغم كل المؤامرات. لقد كان السلطان عبدالحميد بطل هذا الموقف وأستاذه العظيم، فأي عزم؟ وأي مضاء؟ وأي إيمان جبلت عليها نفسك أيها المترع غبطة وسموا؟
أما أنتم يا كتاب التاريخ فسجلوا عندكم: لقد كانت قصة الافتراء على السلطان المظلوم عبدالحميد فضيحة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.

عبد الله رضوان