كتاب وأراء

أن تحلم حتى النهاية.. حتى الموت

هل مسارات حياتنا مقدرة لنا، أم أننا نسعى إلى نهايتنا ونحن نظن أننا في طريقنا إلى تحقيق أحلامنا؟! وكم يرتبط الأمل والأحلام والسعي إليهما بالموت لمن يعيش في بلاد تنام وتصحو على الحروب والموت اليومي والفقر والخوف ؟!..
هذا السؤال خطر لي مباشرة ما أن أنهيت قراءة رواية (لا تقولي أنك خائفة) للكاتب والصحفي الإيطالي جوزيه كاتوتسيلا (صادرة في طبعة ثالثة عن منشورات المتوسط، بترجمة جميلة جدا لمعاوية عبد المجيد).
سامية عمر طفلة صومالية، تعيش مع أسرتها الفقيرة في حي من أحياء مقديشو، في بيت عتيق يضم إلى جانب أسرتها عائلة أخرى، من قبيلة أخرى من قبائل الصومال المتناحرة، لكن العائلتين تعيشان معا كما لو أنهما عائلة واحدة، هكذا قرر ربا العائلة الصديقان القديمان، متحديين الحرب والتناحر والضغينة والكراهية التي يريد أن يفرضها مشعلو الحروب على القبائل الصومالية..
«علي» الابن الأصغر للعائلة الثانية من نفس سن سامية، وتعاهدا منذ الطفولة على الأخوة، وهو ما أكد عليه والدهما ذات أمسية حين اجتمعت العائلتان على العشاء، وأعلن الوالدان أنهما بمثابة الشقيقين، وأن أبناءهما بمثابة الأشقاء مهما حصل في الصومال، كان ذلك قبل أن تسيطر حركة الشباب الصومالي المتطرفة على الصومال، وتفرض على الصوماليين نمط حياة أسود، سواء في اللباس أو العلاقات..
تروي سامية، التي تجري أحداث الرواية على لسانها، كيف انقلبت الحياة فجأة، كيف اختفت الألوان من لباس الصوماليين والصوماليات، كيف فقد الناس حريتهم في الحركة والعيش الطبيعي؟
انتبهت سامية ذات الساقين النحيلتين الطويلتين في طفولتها إلى أنها تحب الجري، وساعدها علي على أن تتدرب يوميا على ذلك، وتشارك في سباقات الجري البسيطة في مقديشو، وكانت تفوز دائما بسبب سرعتها، ومع مرور الأيام امتلأت بالقناعة انها سوف تصبح بطلة الصومال في الجري، كان تحلم بهذا كل لحظة وتسعى جاهدة إليه، حتى لفتت نظر اللجنة الأولمبية في مقديشو، التي أرسلتها إلى أولمبياد الصين ممثلة عن الصومال، لتكون إلى جانب عدائي العالم الذين كانت تهجس بأسمائهم، وبكل الفقر الذي يظهر في لبسها وفي شكل ساقيها، ركضت في المضمار الأولمبي وصورتها عدسات الكاميرات وهي تسترجع كلام والدها الدائم لها: لا تخافي، اذهبي إلى حلمك، سوف تكونين بطلة ومثلا للمسلمات، ثم تعود إلى مقديشو وتمر الأيام وهي تحلم، ويقتل والدها على يد علي، أخوها في العهد، الذي انضم إلى حركة شباب الصومال وطلب منه أن يقتل والد أخته، كتأكيد على ولائه للحركة، تلك اللحظة تقرر سامية الهروب من الصومال للحاق بحلمها في أن تجد مدربا حقيقيا، لكنها ابنة الحرب وشقيقتها، وأبناء الحروب منبوذون أينما حلوا، تذهب إلى أثيوبيا أولا لكنها تعامل بوصفها غير شرعية رغم شهرتها كعداءة، فتقرر اللجوء إلى الهجرة إلى أوروبا عبر التهريب، يحركها هاجس واحد هوالعثور على مدرب حقيقي لها والمشاركة في أولمبياد لندن، وهنا تبدأ التفاصيل المرعبة في وصف رحلة التهريب الممتدة لسنة ونصف السنة، وصف يضع القارئ في قلب العذاب الذي عانته سامية عمر في رحلتها، التي انتهت بموتها غرقا في منتصف المسافة بين ليبيا وإيطاليا، وهي تحاول الوصول إلى حبال ألقتها سفينة إيطالية لإنقاذ الهاربين من الموت والفقر في بلادهم.
كانت سامية تفسر كل حدث في حياتها بوصفه إشارة من القدر لتحقيق حلمها، لحقت سامية تلك الإشارات وذهبت خلفها إلى النهاية، النهاية الماساوية، وكأن القدر أيضا يتواطأ ضد أشقاء الحرب وأبنائها، كأن الذهاب إلى الحلم لأبناء البلاد المبلية بالحرب والفقر هو الذهاب إلى الموت.
الموت الذي يلاحقهم أينما كانوا، هي لعنة الحرب ولعنة الفقر ولعنة القهر، تعيش معهم كل لحظة وتلاحقهم هم بدل أن تلاحق من تسبب بكل ذلك.
لم يغب عن بالي وأنا أقرأ حكاية الصومالية سامية عمر ما عاناه السوريون في طرق هروبهم من الموت في بلادهم ليجدوه معهم في كل مكان، بدلا من أحلامهم التي حلموها لمستقبلهم.
بقلم: رشا عمران

رشا عمران