كتاب وأراء

أميركا والصين.. وحالة «تغليب المصلحة» «2 - 2»

إن أي تأثر للاقتصاد الأميركي وانخفاض القدرة الشرائية للمواطن الأميركي أو انخفاض لقيمة الدولار سيلقي بظلاله على الصين بشكل مباشر.
وهذا ما مهد الطريق لتوقيع المرحلة الأولى من الاتفاق التجاري التاريخي بين البلدين مطلع العام الجاري وقام بتوقيعها الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع نائب رئيس الوزراء الصيني ليو هي وتعهدت فيه الصين بشراء بضائع أميركية إضافية بقيمة 200 مليار دولار خلال السنتين المقبلتين بموجب الاتفاق الذي يتضمن أيضا بنودًا تتعلق بحماية الملكية الفكرية استجابة لمطلب أميركي آخر، وقد شكلت هذه الاتفاقية ما اعتبره الخبراء هدنة مؤقتة للحرب التجارية المستمرة بينهما منذ عامين، وهي حرب أدت لتباطؤ النمو الاقتصادي العالمي ككل، قبل أن تأتي جائحة «كوفيد 19» لتقلب الموازين وتضع الدولتين والعالم أجمع في مأزق حقيقي لم تتضح حتى الآن كلفته على كافة المستويات والاقتصادي ومن ثمَ السياسي بشكل خاص.
ترتكن الولايات المتحدة الأميركية في فرض نفسها كقوة عظمي وحيدة في العالم على ثلاث عوامل رئيسية وهي القوة السياسية وتتمثل بجانب تصدير نفسها كقائد للعالم الحر تواجد المنظمات الدولية على أراضيها عمليًا مثل الأمم المتحدة وجهازها الأهم مجلس الأمن وغيره والقوة العسكرية كونها الأكبر من حيث الكم والكيف والأكثر انتشارًا حول العالم بقواعدها واتفاقياتها العسكرية التي تغطي أركان العالم الأربعة والقوة الاقتصادية كونها الاقتصاد الأكبر عالميًا -حتى الآن- بجانب أن عملتها الدولار هو العملة الرئيسية في معظم التعاملات التجارية حول العالم وأي محاولة لتغيير هذا الوضع تحتاج لاتفاق قوى وأقطاب متنافرة متناحرة يكاد يكون من المستحيل أن تتفق وإلى عقود من العمل في ظل عدم وجود أي عملة بديلة يمكن أن تقوم بنفس الدور، في مقابل الصين التي تفضل الانتشار عبر نعومة الاقتصاد والمساعدات والصفقات المحسوبة بدقة عوضًا عن الخشونة السياسية المختلطة بالعصا العسكرية وسلوك الطريق الطويل لإزاحة الولايات المتحدة عن القمة وهي حساب جاء وباء كورونا العالمي ليقلب الحسابات رأسًا على عقب فهو ليس كما يصور البعض يماثل الحرب العالمية الثانية من حيث تغير تراتبية القوى العالمية أو حتى الأزمة المالية العالمية 2008، فالحرب العالمية الثانية كانت بين طرفين ومعسكرين الأول انتصر وفرض شروطه وحصد الغنائم والثاني تمت هزيمته فقبل الشروط ودفع المغارم، كوفيد19 يضع العالم أجمعه في نفس الخندق وجعل من أميركا والصين وبقية العالم شركاء رغمًا عنهم في نفس المعسكر والمعركة بحيث إن التأثير في واشنطن سيمتد لا محالة إلى بكين أو باريس أو برلين وجعل التنافس حول من يخسر أقل من الآخرين ويتعافى اقتصاديًا وسياسيًا أسرع منهم وحتى تنقشع تلك الجائحة فلا يمكن الجزم بأي نتائج أو تغيرات وسيبقى تموضع وتراتبية القوى العالمية على ما هو عليه حتى إشعار آخر.
بقلم: جمال الهواري

جمال الهواري