كتاب وأراء

أميركا والصين.. وحالة «تغليب المصلحة» «1»

الحديث عن الصراع والخلافات بين أميركا والصين لا ولن يتوقف وهو أمر ليس بالجديد ولكن تختلف وتيرة وحدة هذا الحديث صعودًا وهبوطًا حسب مقتضى الحال وما تفرضه الظروف وخصوصًا على الصعيد الاقتصادي والذي يأتي بالطبع في المقدمة وبقية الملفات بما فيها السياسي يمكن اعتبارها نتائج وتوابع له، فالصراع أو بمعنى أدق التنافس بين البلدين تفرضه طبيعة وقدرات كل منهما فالولايات المتحدة الأميركية هي القوة الاقتصادية الأكبر عالميًا والصين هي مصنع العالم بكل ما تحمله الكلمة من معان، وما يترتب عليها من توابع ظاهرها الخلاف والصراع وباطنها مصالح ومنافع مشتركة يصعب حصرها تجعل من الخلافات كلما اشتدت لا بد أن تتوارى وتهدأ.
هذا لا يعني أن الدولتين في حالة وئام وتفاهم وإنما هي حالة يمكن أن نطلق عليها تغليب المصلحة واستثمار الخلافات بحيث أصبحت سمة سائدة خاصًة في عهد الرئيس الحالي دونالد ترامب أن يتم التصعيد والهجوم الكلامي والتصريحات النارية المتبادلة ثم يعقب هذا الجلوس على طاولة التفاوض للوصول لحلول ترضي، وتربح الطرفين اقتصاديًا وهو الأهم وبالتالي استغلاله سياسيًا ولندرك حجم المطروح على طاولة التنافس الأميركي-الصيني تلك يسوق تقرير البنك الدولي لعام 2018 حقائق جديرة بالملاحظة أهمها أن الدولتين تسهمان بمفردهما بما نسبته 40% من الاقتصاد والبالغ 86 تريليون دولار حيث تسهم الولايات المتحدة باقتصاد حجمه 20.49 تريليون دولار يمثل 23.89% من الاقتصاد العالمي ثم تأتي خلفها الصين باقتصاد حجمه 13.61 تريليون دولار يمثل 15.86% من الاقتصاد العالمي، ولا يجب إغفال حقيقة أن الدول الثمانية الأخرى في قائمة العشرة الكبار -ليس بينهم روسيا- هم حلفاء وثيقو الصلة بالولايات المتحدة الأميركية بلا استثناء، وهناك التبادل التجاري المباشر بين أميركا والصين والبالغ قرابة الـ630 مليار دولار ويميل فيه الميزان التجاري لصالح الصين حيث تصدر للولايات المتحدة بما قيمته 500 مليار دولار وتستورد منها ما قيمته 130 مليارا تقريبًا وهي نقطة لها وعليها في الوقت ذاته، وأيضًا الصين هي ثاني أكبر حائز لسندات الخزانة الأميركية في العالم بعد اليابان بما قيمته 1.089 تريليون دولار وبالتالي أي تأثر للاقتصاد الأميركي وانخفاض القدرة الشرائية للمواطن الأميركي أو انخفاض لقيمة الدولار سيلقي بظلاله على الصين بشكل مباشر.
وهذا ما مهد الطريق لتوقيع المرحلة الأولى من الاتفاق التجاري التاريخي بين البلدين مطلع العام الجاري وقام بتوقيعها الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع نائب رئيس الوزراء الصيني ليو هي وتعهدت فيه الصين بشراء بضائع أميركية إضافية بقيمة 200 مليار دولار خلال السنتين المقبلتين بموجب الاتفاق الذي يتضمن أيضا بنودًا تتعلق بحماية الملكية الفكرية استجابة لمطلب أميركي آخر، وقد شكلت هذه الاتفاقية ما اعتبره الخبراء هدنة مؤقتة للحرب التجارية المستمرة بينهما منذ عامين.
بقلم: جمال الهواري

جمال الهواري