كتاب وأراء

ذاكرة: «مصطفى سيداحمد».. تجربة متفردة للانتماء

إبداعات قديمة عديدة في شتى مجالات الآداب والفنون نظل نحملها في الذاكرة. وتعاود الظهور في الوعي فينة بعد أخرى.
في الكثير من الاوقات وخصوصا في اوقات الانعزال والبحث عن هدوء تأتينا لمحات من تلك الابداعات التي احتفينا بها اوقاتا مضت.
لا ندري ما الذي يعيد تفاصيل ابداعات قديمة عايشناها في ماض بعيد لتسكن لحظات من الحاضر.
خطرت لي هذه الخاطرة بينما كنت اتابع صورة لمنظر طبيعي يبدو فيه شاطئ على البحر وبه انوار قليلة تلوح للناظر من بعيد تلهمه شجنا غامضا وتحمل إلى خاطر الإنسان شعورا جميلا يذكره بتفاصيل من واقع قديم صاحبته تجارب للعديد من المبدعين، سواء في الموسيقى أو التشكيل أو القصة أو الرواية أو المسرح أو السينما.
تذكرت مقطعا شعريا من اغنية تغنى بها الفنان السوداني الراحل مصطفى سيد احمد: «ضي الفوانيس البعيدة اتعب عيونك وانطفى».
بحثت عن مقاطع هذه القصيدة الرائعة التي تغنى بها مصطفى سيداحمد وهي من كلمات الشاعر مدني يوسف النخلي.. ووجدت مطلع القصيدة يقول:- «واقف براك والهم عصف ريحا كسح زهرة صباك.. ليلا فتح شرفة وجع قمرا رحل فارق سماك.. مطر الحزن عاود هطل جدد عذاب الأرصفة.. ضي الفوانيس البعيدة أتعب عيونك وانطفى».. اتابع خواطري عن احساس غامض أتاني عبر صورة الشاطئ وتلك الانوار البعيدة الخافتة. اننا في بعض الاحيان نسافر في كل الاتجاهات وحين نكون بعيدين عن الاماكن الأولى واصدقاء الصبا نعايش مشاعر يطغى فيها معنى الوحدة ليتجدد بحثنا عن ابداع ما يضمد في خواطرنا جراح المسافة ويعيدنا إلى زماننا الأول الذي ألفناه.
لقد شهدت الساحة الغنائية والموسيقية في السودان ابداعا ثرا قدمه الراحل مصطفى سيداحمد.
قال مرة في حوار صحفي انه لم يرتبط بشاعر واحد مثلما فعل فنانون عديدون وانما كان يبحث عن «قصائد تعكس الواقع».
في الكثير من اغنياته التي يلتف حولها دوما الكثير من معجبي تجربته المتميزة قدم مصطفى سيداحمد للمتلقي اعمالا تلامس القلوب وتحرك العقول.
في اغنياته تأكيد الوفاء الانساني وفيها الثناء على مواقف البطولة خصوصا المواقف المرتبطة بالدفاع عن قيمة الحرية وتعزيز الانتماء للوطن.
لا يزال محبو تجربة الراحل مصطفى سيداحمد يجدون مشاعر تريح الوجدان كلما تابعوا مجددا الكثير من اغنياته التي خلدت عطاءه النبيل في دنيا الابداع الموسيقي والغنائي في السودان.
انتمى مصطفى مع العديد من مبدعي جيله الفني إلى تجربة صقل الموهبة عبر الدراسة المتخصصة للموسيقى.
اختار مصطفى موقف الانحياز إلى الإنسان البسيط، متغنيا للارض في الريف أو المدينة، ممجدا الوفاء الانساني اللا محدود.
اتذكره في ذات مساء في مسرح قاعة الصداقة في الخرطوم في بداية التسعينيات. كان منظمو الحفل قد طلبوا مني ان اقدمه لجمهوره.. تأخرت قليلا في تقديمه لان فنيي الصوت طلبوا الانتظار قليلا لاكمال مهمتهم الفنية. وفوجئت بالفنان الراحل مصطفى يقف إلى جانبي سريعا ويحمل الميكروفون ليتحدث مباشرة إلى جمهوره مرحبا بهم وسط تصفيقهم المدوي. بعدها قال لي: انني فعلت ذلك حتى لا يقول الجمهور إن مصطفى تكبر.. «أي أنه صار متكبرا على جمهوره الفني».
اتذكر من قصيدة اخرى شهيرة له هذه المفردات التي كتبها الشاعر الراحل محمد الحسن سالم حميد: «يا مطر عز الحريق.. يا مصابيح الطريق.. يا المراكبية البتجبد من فك الموج الغريق.. جينا ليك والشوق دفرنا يا نشوق روحنا ودمرنا يا المحطات الحنينية القصرت مشوار سفرنا».
واختار له اخيرا مفردات من قصيدة للشاعر المبدع عاطف خيري تغنى بها مصطفى مستقطبا المزيد من المعجبين بفنه: «يا كنا نبيعك يا نسرق.. اخترنا النار الضلها يحرق.. طمناك ان الدنيا بيخشها ضوء».

جمال عدوي