كتاب وأراء

تركيا تؤكد صدارتها

لم يكن من السهل على دولة تركيا الخروج من حقبة السطوة العسكرية على القرار السياسي فيها خلال العقود التي سبقت وصول حزب العدالة والتنمية إلى سدّة الحكم بقيادة الرئيس رجب طيّب أردوغان. ولم يكن من السهل عليها أيضا مواجهة الأزمات الدولية التي وجدت نفسها في خضمها وهي الدولة التي تقع في قلب مناطق الزلازل السياسية والاستراتيجية بين منطقة المشرق العربية وأوروبا والحوض المتوسط وروسيا. لكن رغم كل الأزمات التي واجهتها بما فيها الانقلاب العسكري الفاشل فإنها نجحت باقتدار في تجاوز المرحلة الحرجة وفي الخروج أقوى مما كانت عليه قبلها بفضل حكمة قيادتها وصمود شعبها.
تركيا أيضا جزء هام من السياق العربي سواء بحكم التاريخ العثماني أو بمنطق الجوار الجغرافي أو كذلك بمبدأ الكتلة الدينية. أما الأهم من كل ذلك والأعلى سلطة تحليليا هو الحضور السياسي للفاعل التركي اليوم في كل الملفات العربية والقضايا الإقليمية وعلى رأسها نظام صيرورة الثورات العربية ومشهد التغيرات السياسية التي تعيشها منطقة المشرق بامتدادها التركي.
لم تدعم تركيا ثورات الشعوب بشكل مباشر لكنها لم تعترف بالانقلابات التي صادرت مُخرجاتها وأجهزت على مكاسبها وحوّلتها من موجة أمل في التغيير إلى إعصار عنف مدمّر. واجهت أنقرة إثر هذا الموقف قوى الثورات المضادة عربيا واشتعلت حرب باردة على المستوى الاقتصادي والسياسي والمالي بين منظومة الثورات المضادة والعملاق التركي. فانطلقت الأذرع الإعلامية العربية في شيطنة تركيا بحجج مختلفة تستدعي تاريخ الخلافة حينا وإرث العثمانيين أحيانا ونزعة تركيا الدينية المحافظة أحيانا أخرى.
لكن التدخل التركي الأخير في ليبيا لحماية الشرعية وحماية العاصمة طرابلس من زحف ميليشيات الانقلابي حفتر والمرتزقة الذين يقاتلون في صفوفهم قد دفع تركيا مرة أخرى إلى واجهة الأحداث المغاربية. كما أنّ مساهمتها النوعية في إفشال العدوان على دولة قطر قد فاقم من عداء محور الفوضى في المشرق العربي لها. خرجت تركيا منتصرة وفرضت التوازن الاستراتيجي الذي تريده سواء في الخليج أو في سوريا أو في ليبيا وهو ما يجعل منها اليوم لاعبا دوليا محوريا.
اليوم وبعد المساعدات الطبية الكبيرة التي قدمتها تركيا للدول الأوروبية وللولايات المتحدة وبريطانيا وغيرها من الدول ومع تراجع أسعار النفط عالميا وتغير موازين القوى الدولية فإن صعود أنقرة كقوة دولية لم يعد مجرد احتمال. اللاعب التركي في المنطقة هو اليوم لاعب أساسي قادر على تعديل كل الموازين والملفات والقضايا وفرض منطق جديد سيلغي منطق الوصاية الاستعمارية والهيمنة القديم.
بقلم: محمد هنيد

محمد هنيد