كتاب وأراء

من وحي الوباء .. ثقافة العمل عن بُعد

في مقابلةٍ تليفزيونيَّة أجرتها قناة ABC News الأميركيَّة عام 1974 مع الروائي البريطاني آرثر تشارلز كليرك Arthur C. Clarke والذي اشتُهِر برواياتِهِ المُشبعَة بالخيال العِلمي، قال، متحدثًا عن تصوُّرٍ خياليٍ يراودُه عن المُستقبل: «إنَّهُ بحلولِ القرن الواحد والعشرين سيتمكَّنُ أيُّ مديرٍ وأيِّ موظفٍ أن يعيشَ في أيِّ مكانٍ على وجه الأرض، ولا يزالُ يقومُ بوظيفته على أكمَلِ وجه، وذلك دون الحاجة لكي يتواجَدُ جسديًا في مكان عمله أو مكتبه»، كان هذا خيالًا مَحضًا حتى بداية الألفيَّة، حيث تحوَّل العمل عن بُعد إلى واقِع في عددٍ من بيئات العمل الحديثة، لاسيَّما في القطاع الخاص.
يَسمَحُ نظام العمل عن بُعد للموظفين من العمَل في أيِّ مكانٍ في العالم خارج مقارّ جهات العمل دُون التقيُّد بالنِطاق المادِّي لهذه الجهات، من المنزل، من المقهى، من أيِّ مكانٍ يُمكن فيه الاتصال عبر الشبكة الإلكترونيَّة وتلقِّي التكليفات والمهام وإرسالها إلى ربِّ العمل والتفاعُل مع فريق العمل افتراضيًا عبر التطبيقات الجديدة. وكانت بيئاتُ العمل العالم قد بدأت بهذا النظام عن طريق استقدام موظفين مستقلين (بنظام العمل الجزئي بالقطعة) للعمل على تنفيذ مشاريع معينة، مِمَّا يضمَنُ توظيف الكفاءات النادِرَة والعالية، المُتوظفة بنظام العمل الكامل في قطاعاتٍ أُخرى، وتوفير وخفِض التكاليف اللازمة في حال الاستقدام في مقارّ العمل المتمثلة في تكاليف المكاتِب والتجهيزات والمُعدّات المختلفة وفواتير الاتصالات والكهرباء ورسوم مواقِف السيارات وغيرها من اللوازِم الضروريَّة، إضافة إلى أنَّ هذا النظام يُمكنُهُ غالبًا أن يُقلِّل من غياب الموظفين، فمن تواجهُة منهم ظروفٌ وعوارضٌ صحيَّة أو اجتماعية مفاجئة يُمكنُهُ بكُلِّ يُسر أن يُباشِر تنفيذ مهامِهِ المطلوبة متى ما استطاع لها سبيلًا خلال يوم العمل، وذلك خارج السُويعات المُحدَّدة التي يُحتسَب فيها الحضور والانصراف والإنتاج بالنسبة للموظفين في نظام العمل عن قُرب.
اليوم، العمل عن بُعد، في المنازِل تحديدًا، يُعَدُّ أحد أهمِّ انعكاسات جائحة فيروس كورونا المستجدّ على حياتنا، وشخصيًا لم أكُن أتصوَّر أن تنتقِلَ بيئاتُنا العمليَّة المحليَّة، المتفاوتةُ الاستعداد، للاستجابة ما استطاعت سبيلًا لهذا التمظهُر الجديد الذي فرضتهُ الإجراءات الاحترازيَّة لمُكافحة تفشِّي الوباء العالمي، ورُغم التبايُن في هذا الاستعدادِ والفعاليَّةِ والمُرونة إلا أنَّ هذا الانتقال أصبَح واقعًا اليوم، وكثيرٌ من البيئات نجحَت بالتدريج في أداء مهامِها ووظائِفها المنوطة. إنَّ هذا النمط الجديد نسبيًا والذي فرضتهُ بالإلزام الظروف الراهنة يُعَدُّ من أكثر الخيارات المثالية التي تُحقِّق مصالح الطرفين، جهة العمل والموظف، فبالإضافة إلى الخيارات الواسعة لدى بيئات العمل والمتمثلة، على سبيلِ المثال، في اختيار الموظفين القادرين على أداء المهام الوظيفية المقرَّرة دون التقيُّد بالنطاق الجغرافي وتوفير الميزانيات والإجازات العرضيَّة إلى غيرها من الميِّزات، يجد بعض الموظفين في العمل عن بُعد مُتسعًا حقيقيًا لتحقيق أهداف اجتماعيَّة أو عِلميَّة أو حتى عمليَّة أُخرى.
وأيًا كانت هذه الميِّزات فإنَّ هذا الانتقال، برأيي، يحتاج أولًا إلى تطوير الجانِب التقني لدى الموظفين وتقديم دورات تؤهلهُم لاستخدام منصَّات العمل الاحترافيَّة عن بُعد بشكلٍ كفُؤ مما يُسهِم في رفع كفاءة أدائِهِم من جهة وتحقيق الجودة في العمل وتلبية احتياجات العُملاء من جهةٍ أُخرى، وثانيًا، يحتاجُ هذا الانتقال، من أرباب العمل، إلى متابعة وتقييم فعاليَّة الموظفين وأدائهم عن بُعد بشكلٍ دوري وصارِم، وذلك حتى لا تُنتِج هذه البيئة الجديدة، التي قد يطول العمل فيها بسبب حِدَّة انتشار الوباء وعدم إيجاد لقاح مضادّ له لشهور ورُبما لسنوات؛ نوعًا من البطالة المُقنَّعة التي تؤدِّي إلى الترهُّل الإداري مِمَّا ينعكِس على بيئة العمل أولًا وعلى الاقتصاد ثانيًا.
قارئي العزيز، شخصيًا، أفضِّل العمل عن قُرب، خاصَّة أنَّ أجواء المنزِل قد توحي في كثيرٍ من الأحيانِ بالاسترخاء والراحة والخُمول، كما أنَّ العمل بشكلٍ مُباشر مع فريق العمل يُحقِّق أهداف مختلفة بالنسبة لي، ويُثري من تلاقُح الأفكار الإبداعيَّة، ورُغم ذلك أحاول جاهدةً أن أنتقِل من هذا التفضِيل إلى النظر في النصِف الآخر من الكأس، فعادةً تكونُ مكاتِبُنا تكونُ مزدحِمة بشكلٍ كبير، والضوضاء فيها قد يُشتت الأفكار كثيرًا ويؤثِّرُ تاليًا على الصفاء الذهني والتركيز وعلى الإنتاجيَّة الوظيفيَّة، فبالرُّغم أنَّ هذا الخيار ليس الأفضل بالنسبة لي، في الأحوال الطبيعيَّة، إلا أنَّهُ خيارٌ ينطوي على عددٍ كبيرٍ من الإيجابيَّات والفُرَص. أعتقد أنَّ ثقافة العمل عن بُعد عليها أن تنعكِس إيجابًا على استثمار الطاقات المُعطَّلَة لدينا في المجتمع، على سبيل المثال المتقاعدين مِمَّن لديهم رغبة حقيقيَّة في العطاء وقُدرات ومؤهِّلات وخِبرات مُتراكِمَة يُمكِن أن تستوعِبُها المجالات الوظيفيَّة المختلفة وتستثمِرُها بشكلٍ إيجابي، الأمر الذي يُسقِط ثمراتِهِ وظِلالِه ليس فقط على الإنتاجيَّة الوظيفيَّة والاقتصاد الوطني بل كذلك على المجتمع الذي يعُجُّ اليوم بالمتقاعدين الذين يُطالبون أرباب العمل والمسؤولين بعدم (رَكنِهِم) والاستفادة من عطائِهم. أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة كذلك يُمكنُهُم الاستفادة من نظام العمل عن بُعد، فكثيرٌ من الطاقات الشابَّة فضَّلت الاستقالة أو التقاعُد المبكِّر أو حتى الحُصول على تفرُّغ لتخصيص وقتهِم في بناء وتطوير مشاريعهم الخاصَّة، فغالبيَّة هؤلاء يحتاجُون إلى رواتبهم لكي يموِّلُوا ويوسِّعُوا في مشاريعهم الصغيرة هذه، وتبقَى مُتطلِّبات العمل عن قُرب، المتمثَّلة في الحُضور والانصراف والإنتاج في وقت معيَّن سببًا في تسَرُّبِ تلكُمُ الطاقات الشابَّة الواعدة، وأعتقد أنَّه من المثمر بحَقّ في تحسين وتطوير بيئة الأعمال في الدولة، هو يُسمح لهؤلاء بالعمل عن بُعد وفي ذلك دعمٌ لخُطَّة الدولة الاستراتيجيَّة التنمويَّة الطموحة في توطين الصناعات الصغيرة والمتوسطة وتنويع مصادِر الدخل استجابَةً للاحتياجات الحاليَّة والمُستقبليَّة ودعمًا للاقتصاد الوطني.
يُمكِنُ للعمل عن بُعد أن يكون خيارًا موفقًا كذلك للمرأة العاملة التي يصعُب عليها الابتعاد عن أُسرتِها لساعاتٍ طويلة، حيث يُمكنها أداء مسؤولياتها الوظيفية جنبًا إلى جنب مسؤولياتها الأسرية المختلفة من رعاية المنزل وتربية الأبناء وغيرها من المسؤوليات، فظروف النساء تختلف من أُسرةٍ إلى أُخرى، فمنهُنَّ من لديها، على سبيلِ المثال، طفلٌ رضيعٌ يحتاجُها أو فردٌ من ذوي الاحتياجات الخاصَّة، أو أنَّها تقوم برعاية كبار السِن، فليس الجميع لديهن من يُساعدهُن في ذلك، كما أنَّ قدرة بعض النساء على العطاء المتوازِن بين البيت والوظيفة تختلف كذلك، لاسيَّما في بيئات العمل عن قُرب التي تتطلَّبُ الالتزام بساعات عملٍ طويلة أو حتى تنفيذ مهامٍ عاجلة طارئة، وعليه فإنَّ العمل عن بُعد يُمكنُهُ أن يحمِي حِياضَ الأُسرة وتماسُكها وسعادتها في الوقت الذي يُنمِّي فيهِ ويستثمِرُ في رأس المال البشري.
خيارُ العمل عن بُعد هذا خيارٌ مثاليٌ أيضًا لخلقِ فُرَصِ عملٍ جديدة لأصحاب الهِمم ذوي الاحتياجات الخاصَّة والاستفادة من طاقاتِهمِ وإبداعاتِهم، وذلك دون الحاجة إلى تنقُلِهم بين المنزل المجهَّز وبيئة العمل التي قد تكون غير مجهزة بالكامِل، الأمر الذي يزيد من فُرَص دمجهِم في المجتمع، كما يُعَدُّ هذا الخيار علاجًا ناجحًا وفعّالًا في تقلِيص نسبَة البطالة في المجتمع بين الجنسين، فالإمكان توظيف عدد أكبر من الموظفين لتغطية ساعات العمل اليوميَّة الطويلة، فبعض القطاعات ومنها قطاع الإعلام العمل يستمر فيه إلى 24 ساعة، ويُمكن استقطاب موظفين لتغطية جزء من هذه الساعات والاستفادة من الموارِد البشريَّة المتاحة بما يخدِم الإنتاجيَّة.
إنَّهُ بعد أن تنجلِي جائحة كورونا بإذن الله تعالى ستعُودُ الحياة، تدريجيًا، إلى مجراها السابق، وأعتقِد أنَّ ثقافة العمل عن بُعد، والتي تتماشى مع مفهوم الإدارة الحديثة وأحدَث المُمارسات العمليَّة في العالم، تستحِقُّ أن تُدرَس وتُطبَّق في بيئات العمل لدينا بشكلٍ مرن، وفقًا لقوانين وتشريعات رسميَّة حقيقيَّة فعّالة، وذلك مراعاةً لعددٍ من الحالات والظروف وتحقيقًا لمطلبَيّ الرفاةُ الوظيفي وتحسين بيئات العمل، الأمر الذي يُحقِّق، بالنتيجة، الأهداف الإنتاجيَّة المطلوبة ويُسهمُ، تاليًا، في مسيرة التنمية المستدامة.
{ إعلاميَّة وباحِثَة أكاديميَّة- جامعة قطر
بقلم: خولة مرتضوي

خولة مرتضوي