كتاب وأراء

هزائم «مشروع الفوضى» في ليبيا

ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأيام المنقضية بأخبار الهزائم الثقيلة التي تكبدها المعسكر الانقلابي في ليبيا بعد نجاح حكومة الوفاق المعترف بها دوليا في السيطرة على مدن الشريط الساحلي الذي يربط العاصمة طرابلس بمعبر راس جدير على الحدود التونسية.
سقطت المدن الساحلية تباعا الواحدة تلو الأخرى وخاصة مدن صرمان وصبراته والعجيلات وانتشرت في الطرقات جثث المرتزقة والميليشيات والجماعات الإرهابية التي تقاتل إلى جانب رجل الحرب خليفة حفتر. مشروع الفوضى الكبير في ليبيا تسهر عليه دول عربية أخذت على عاتقها مهمة إفشال الانتقال الديمقراطي وإعادة إنتاج حكم العسكر عبر الفوضى والتسليح وتوجيه الميليشيات والمرتزقة إلى بؤر التوتر. في ليبيا فشل الانقلاب على ثورة فبراير رغم كل الدعم الذي تلقاه حيث يقاتل هناك مرتزقة روس من «مجموعة فاغنر» وقوات من تشاد وفيالق الجنجاويد السودانية وضباط وجنود من مصر إلى جانب قوات دعم فرنسية وأجنبية متعددة الجنسيات إلى جانب الدعم المالي السخي من دول الخليج.
وعد حفتر عديد المرات بأنه سيدخل العاصمة طرابلس لكنه عجز عن ذلك منذ الإعلان عن انطلاق عملية الكرامة في الشرق الليبي في منتصف شهر مايو 2014. منذ ذلك التاريخ دخلت ليبيا في دوامة شبيهة بالحرب الأهلية بين الشرق الذي يسيطر عليه المشروع الانقلابي والغرب الذي تسيطر عليه حكومة الوفاق الممثلة لثورة فبراير.
لكن رغم كل الدعم المادي والبشري واللوجستي فإن المشروع الذي خُطّط له لإجهاض التجربة الليبية لم ينجح. كان الهدف من ضرب ثورة ليبيا هو إلحاقها بالتجربة المصرية وإسنادها عبر وضع اليد على ثروات ليبيا ومخزونها الكبير من مصادر الطاقة. كان الهدف كذلك محاصرة التجربة التونسية الناجحة التي لم تسقط في الفوضى والدماء والحرب الأهلية. كان الهدف أيضا إرسال رسالة إلى الشعوب العربية بأن الثورات لا طائل من ورائها وأن الاستبداد وحكم العسكر هو قدر هذه البلدان وأن لا فكاك منه. كل الخوف من نجاح التجارب الانتقالية إنما يتمثل في أن تنشأ داخل البلاد العربية تجارب ديمقراطية غير عسكرية قادرة على تحقيق قاطرة لنهضة الأمة وخروجها من مرحلة المفعول به حضاريا.
إن هزيمة مشروع الفوضى في ليبيا هو دليل آخر على أن مسألة التغيير السياسي في المنطقة العربية هو مسار حتمي لا رجعة فيه وأن كل الخطط الداعمة للانقلابات على ثورات الشعوب ليست في الحقيقة إلا إهدارا للمال ومحاولة لكسر آلة الزمن التي لا تتوقف.
بقلم: محمد هنيد

محمد هنيد