كتاب وأراء

السودان.. استعادة «دروس الأمس» «2 - 2»

لا بد من تعزيز الحوار دون إقصاء والإصغاء إلى ما ظل يردده العديد من المحللين والناشطين السياسيين والاكاديميين والتكنوقراط بأنه لا بد من مصالحة وطنية شاملة تتيح انطلاقة قوية للجهود السياسية الراهنة. إن الفترة الانتقالية بما يرتبط بها من تحديات يجب ان تدفع القوى السياسية بأسرها إلى رسم خريطة طريق جديدة لمعالجة الازمات سواء السياسية أو الاقتصادية منها.
إن النظر بتدبر إلى ما شهدته الساحة السودانية من احداث عديدة طيلة عقود ما بعد الاستقلال سوف يسهل التوصل إلى تحديد المنطلقات الاساسية التي يجب اعتمادها ضمن خريطة طريق الحل السياسي الشامل.
في بدايات عهد الاستقلال لم تصمد تجربة الديمقراطية الليبرالية في السودان الا لسنوات قليلة من يناير عام 1956 حتى نوفمبر 1958.. بعدها دخلت البلاد في دوامة من عدم الاستقرار حيث وقع الانقلاب العسكري الأول في نوفمبر 1958.. واستمر نظام الرئيس الراحل ابراهيم عبود حتى اسقطته الجماهير بثورة شعبية مشهودة في اكتوبر من عام 1974.
وبعدها عادت تجربة الديمقراطية الليبرالية لكنها لم تصمد سوى سنوات قليلة حيث اجهضت التجربة الديمقراطية عندما وقع انقلاب مايو 1969.
وتمكنت الجماهير عبر انتفاضة شعبية في شهري مارس وابريل من عام 1985 من اسقاط نظام الرئيس السابق جعفر نميري.
وبدأت التجربة الديمقراطية الثالثة في تاريخ السودان في عام 1985 لكنها اجهضت سريعا عبر انقلاب ثالث في يونيو من عام 1989.
تمكنت الجماهير من اسقاط نظام الانقلاب الثالث عبر الثورة الشعبية التي انطلقت في 19 ديسمبر من عام 2018 ونجح الشارع في اعادة مشهد التغيير السياسي لاستعادة الديمقراطية في «11» ابريل 2019. ان دروسا عديدة تكمن في هذه السنوات التي تأرجحت فيها تجارب الحكم في السودان ما بين نظام اتى إلى السلطة عبر انقلاب عسكري يعبر عن حزب معين أو تحالف لاحزاب لم يعجبها احتكام الناس إلى صنديق الانتخابات فاختصروا الطريق إلى القصر باستخدام «الدبابة» و«البندقية»، وما بين نظام يعبر عن كل افراد الشعب الصابر في تطلعهم المشترك إلى واقع سياسي لا مجال فيه لفرض الآراء أو الخطط السياسية أو الاقتصادية بقوة السلاح.
الدروس التي اتحدث عنها كتب عنها محللون وكتاب كثر عبر السنوات الماضية.
كافة الاحزاب التي تعتمد العمل الديمقراطي سبيلا للتعامل مع الجماهير والتصدي لمشاكل السياسة والاقتصاد لديها مراجعات واطروحات عديدة تزخر بالبنود الواجب اتباعها حول كيفية تأمين مسار الديمقراطية من أي «اجهاض محتمل» عبر «اسلوب اعتماد قوة السلاح» كبديل للنظام الديمقراطي الليبرالي الذي يكفل الحريات العامة ويتيح تنافسا نزيها من أجل وصول الاحزاب التي تختارها الجماهير إلى سدة الحكم في واقع ديمقراطي لا مجال فيه لظلم الناس أو مصادرة حرياتهم أو مصادرة اموالهم تحت اية ذريعة من الذرائع. إن مهمة الحفاظ على مكسب «عودة الديمقراطية» إلى الساحة السوداني هي مهمة شاقة لكن تأمين مسار الديمقراطية من اية عثرات محتملة – لا قدر الله- يتطلب ابتدار حوار وطني شامل لكل القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني ليقول كل طرف رأيه بصراحة متناهية حول كيفية الحفاظ على «نعمة الحرية».
إن المرحلة السياسية الراهنة في السودان تتطلب الكثير من العمل من قبل التكنوقراط والاكاديميين والمفكرين والمثقفين والمبدعين والناشطين في المجالين السياسي والحقوقي.. الكثير من العمل لرسم خريطة طريق سودانية عنوانها «حماية الديمقراطية».
بقلم: جمال عدوي

جمال عدوي