كتاب وأراء

حالة حصار

«نفعل ما يفعل السجناء، وما يفعل العاطلون عن العمل/ نربي الأمل»، ربما لا وصف لما نحن فيه كبشر، يعبر حاليا عن حالتنا كهذا المقطع من قصيدة حالة حصار للشاعر الراحل محمود درويش، والتي كانت عنوان ديوان شعر له صدر عام 2002، يصف فيها ما عاناه الفلسطينيون أثناء الحصارات المتعددة التي تعرضوا لها، منذ حصار تل الزعتر، ثم حصار بيروت، ثم الحصار الذي تلا انتفاضة الحجارة، وفرضته القوات الاسرائيلية على قطاع غزة 2بكامله!
يخطر في بالي كثيرا في هذه الفترة ما تعرض له الفلسطينيون من حصار قاتل، فترات نضالهم، وأستعيد قراءة ما كتب عن تلك المرحلة لأتمكن من فهم نفسية المحاصر، في محاولة لفهم ما يحدث لنا حاليا، ثم أسترجع ما كتبه، أو ما كتب نقلا عن السوريين الناجين من الحصار، في مختلف المدن والمناطق السورية التي ثارت على نظام الأسد، الحصار الغذائي والصحي والمدني، أو باختصار: الحصار الوحشي الذي فرضه نظام الأسد وحلفاؤه على السوريين، والذي تفوق في وحشيته على حصار العدو الإسرائيلي للفلسطينيين.
يحدث الآن شيء مشابه إلى حد ما، الفارق فقط، أن العالم كله حاليا تحت الحصار، لا اختلاف بين شعب وآخر، أو دولة وأخرى سوى بتفاصيل لوجستية تتعلق بظرف كل دولة على حدة، الظرف الاقتصادي والاجتماعي هو ما يحدد هذا الاختلاف في الخطوات المتبعة، الفارق أيضا، أن الحصارات السابقة كانت بفعل فاعل، ثمة جيوش وسلاح ومقاومة وصراع، وثمة قوة تتمتع بها مجموعة بشرية ما تمكنها من فرض الحصار على مجموعة أخرى، الفارق أيضا أن ثمة شخصا أو نظاما أو دولة أو جيشا يمكن إدانته، أو تقديمه للعدالة ومحاكمته لاحقا، ولو أن هذا لم يحدث يوما، لم تنصف العدالة الدولية شعبا ضد جلاديه في التاريخ البشري، فحتى (العدالة) تتحالف مع السلطة ومع القوة، وهو ما يجعل الصراعات البشرية للسيطرة مستمرة إلى الأبد، فصاحب السلطة والقوة والسيطرة، سوف يتمكن من النجاة من العقاب على جرائمه ضد البشرية، الاستثناءات في هذا قليلة جدا، بل تكاد تكون نادرة في تاريخنا البشري.
حالة حصار البشرية اليوم مختلفة، فنحن محاصرون بجيوش لا مرئية، ملايين ملايين العناصر اللامرئية، لا تهتم لا بصراعات القوة ولا بتكديس الأسلحة التقليدية والذرية والنووية، لا يعنيها عالم متقدم وعالم ثان أو ثالث، لا تكترث لمحاولات البنك الدولي ومافياته تسيير سياسات العالم وفقا لمصالحها، لا تكترث بالطغاة وجيوشهم ومنظوماتهم الأمنية، ولا تكترث أيضا بالشعوب المقهورة والثائرة وسجناء الرأي، لا تهمها مذاهب المحاصرين وأديانهم ومعتقداتهم، ولا تنتبه إلى تقدم شعوب وتخلف بعضها، وليست لديها أسئلة عن أسباب الفقر والجهل والتخلف والتعصب والعنصرية والاستعلاء، لا تكترث لألوان من تحاصرهم ولا لأعراقهم أو لون دمائهم، قسوتها تكمن في أن معاركها مع كل فرد على حدة، مع جهاز المناعة الشخصي لكل بشري يعترض طريقها، قسوتها أيضا، أنه لا ينفع ضدها أي تحالف لا سياسي ولا عسكري ولا اقتصادي ولا اجتماعي ولا إنساني، ولا أي شيء، وربما تكون هذه القسوة هي منطق العدالة الوحيد الذي عرفته البشرية منذ زمن طويل: أنها تساوي بين جميع البشر دون استثناء، ولا تميز أحدا عن الآخر في صراعها معه، لكن حتى في هذا الأمر، ثمة طرف لصالح الأقوياء، والذين تكمن قوتهم في يفاعة سنهم التي تجعل من أجهزة مناعتهم قادرة على صد الهجوم! لا أعتقد أن البشرية عاشت فانتازيا كبيرة مثل هذه منذ زمن طويل جدا.
ثمة فارق آخر مهم أيضا، المحاصرون لأسباب سياسية كانوا يتواصلون إنسانيا، داخل مخيماتهم أو مدنهم أو قراهم، كانوا يلتقون، يسهرون، يتسامرون، يسلي بعضهم بعضا في محاولات تجاوز قسوة الحصار ووقته الطويل، كانوا (يربون الأمل) سوية كما يقول درويش، يشجعون بعضهم بعضا على الصبر والمقاومة والاحتمال، في انتظار الأمل المرجو، إذ لا شيء مثل الدفء الإنساني يمكنه أن يعين في لحظات الخوف من المجهول القادم وعدم معرفة نهايته، في حصار البشرية الحالي، يختفي حتى هذا، عليك أن تبقى محاصرا وأنت وحيد، أن تواجه الملايين من عناصر عدوك وحدك، إذ أن ضعفه وتراجعه يكمن في انعزالك وابتعادك عن الآخرين، لا في تلاحمك وتلاقيك معهم، إلا في المخيلة، المخيلة والعقل اللذين يحميانك ويحميان الآخرين ويحميان البشرية من الفناء، اشتغل على الخيال لتتجاوز قسوة الحصار، واشتغل على العقل لفهم تركيبة مسببه كي تتساعد مع الآخرين على إنهائه في أسرع وقت عبر العزلة والابتعاد. إذ أنه في الحصار والعزلة اللذين يفرضهما، نحن لا ننقذ أنفسنا فقط، بل نساهم في إنقاذ الآخرين، الفارق هنا أنه في حصار كورونا المفروض على البشرية جمعاء، لأول مرة ربما، تتساوى الأنانية الشخصية المعزولة مع الغيرية في عزلتها، حين تدافع الأنا عن وجودها فهي في الوقت نفسه تحمي وجود الآخرين!! ألسنا نعيش في فانتازيا تتفوق على الخيال؟!
بقلم: رشا عمران

رشا عمران