كتاب وأراء

من وحي الوباء العالمِي - الذعر والهلع الأخلاقي

خولة مرتضوي
إنَّ الأُسرة الإنسانيَّة جمعاء اليوم تتحِد في هدفٍ مشتركٍ واحد وهو السيطرة على انتشار جائحة فيروس كورونا المستجدّ (كوفيد - 19) والبحث عن لُقاحٍ يقِي من هذا المرض، ورُغم هذا الاتحاد المعنوي الظاهر، خرجَت الكثير من الأخلاقيَّات التي صاحبَت هذه المرحلة الحرجَة التي تقطُعُ بنا جميعًا وفكَّكت من صلابة هذا الهدف الجماعي، وكان سبب ذلك ما يُسمى بالذُعر الهلَع الأخلاقي الذي نشأ بسبب الصدمة المفاجئة التي شكلتها الجائحة. لقد تمثَّلَ هذا الذُعر الأخلاقِي في بعض التصرُّفات الفرديَّة والجماعيَّة، الاجتماعيَّة والسياسيَّة اللاأخلاقية، فالفيروس المستجدّ (كوفيد - 19) شكَّل تهديدًا وخطرًا كبيرًا على الأمن ما جعل غالبية الأفراد والجماعات في حالة هلع كبيرٍ لتأمين كافًّة الظروف التي تُعيد الاستقرار الأمني، هلَعٌ وذُعرٌ تجاوزَ حدود التعامُل الأخلاقِي المتّفَق عليها، وكأن هذا الوباء جاء، فيما جاءَ فيه، ليختبِر صدق ادعاءاتنا الأخلاقيَّة أفردًا وجماعات.
ظهر ذلك جليًا في إقبال الناس على تخزين الأغذية بشكل مبالغ فيه، جمع وتخزين المُعقِّمات والمطهرات والكمامات الواقية، رغبةً في الحصول على أكبر قدر منها قبل نفادها من السوق، التعامُل مع أي شخص غريب بشكل منفِّر وكأنَّهُ عدوٌ لدود، كأنَّهُ فيروس كورونا المستجد، مظاهر العُنصريَّة الكورونيَّة، الاستيلاء على شُحنات الكمامات والمواد المعقّمة، الاستغناء عن الحيوانات الأليفة مخافة نقلِها للفيروس، إجلاء العُمّال، الطلبة الدوليين، الأطباء والممرضين من مساكنهم خوفًا من نقلهِم للعدوى، إلى غيرها من الممارسات اللاأخلاقية التي أُريد بها صونُ النفس عن هذا التهديد والجُور القصدي على الآخر، وكأنَّ فُرصة النجاة الوحيدة من الانقراض بفعل هذا الفيروس هو أن نخنُق بعضنا ما استطعنا سبيلًا قولًا أو عملًا!
يقول عالم الاجتماع البريطانِي ستان كوهين Stan Cohen متحدثًا حولَ النظريَّة الاجتماعيَّة للفزع الأخلاقي في كتابه (الشياطين الشعبيَّة والفزع الأخلاقي) الصادِر عام 1972: «يبدو أنَّ المجتمعات إلى أحيانٍ من الذُعر الأخلاقي، إذ تنبثِقُ حالةٌ أو مرحلةٌ أو شخصٌ أو مجموعةٌ من الأشخاص الذين يُعرَفُون أنَّهُم يُشكِّلُونَ تهديدًا للقيَم والمصالِح الاجتماعيَّة. تُقدِّم وسائِل الإعلام هذا التهديد بطريقةٍ نمطيَّة، كما أنَّ المُحرِّرين ورِجال الدين والسياسَة وغيرهم من أصحاب التفكير الصحيح؛ يسُنُّون الحُدود الأخلاقيَّة، بينما يُعطِي خُبراء أكفَّاء تشخيصاتهِم وحُلولهُم؛ فتطوَّرُ وسائِل للتعايُش أو على الأغلَب يُلجأُ إليها، ثُمَّ تختفِي الحالة أو تتدهورُ أو تتلاشَى. وفي بعضِ الأحيانِ يكونُ موضوعُ الذُعر جديدًا تمامًا، وأحيانًا أُخرى يكونُ شيءًا موجودًا منذُ مدَّةٍ طويلة، إلا أنَّهُ صارَ فجأةً محَطَّ الانتباه. أحيانًا ينتهِي الذُعرُ ويُنسَى تاركًا بصماتِهِ في الفلكلور والذاكِرَة الجمعيَّة فحَسِب، وأحيانًا أُخرى تنجُمُ عنهُ آثارٌ أخطرُ وأطولُ أمدًا، والتي يُمكِنُ أن تُسفِر عن تغيُّراتٍ على الصعِيدِ القنونِي أو في السياسَة الاجتماعيَّة، وكذلِك في الطُرُق التي يرى المُجتمَع من خلالِها ذاتَه».
هذا الفيروس قبلَ أن يُمرِّض الأبدان مرَّضَ الأخلاق بشكلٍ كبير، فبعضُ المواقف ربُما لن تُنسى أبدًا. الـ (كورونامينيا) هذه جعلت كُلَّ شيءٍ موضِع مراجعة ومُسائلَة وعلى رأسِها الأخلاقيَّات، فهذه المرحلة العصيبة من وُجودنا الإنسانِي المشترك المليئة (بالبأساءِ والضَرَّاء) لا تستلزِمُ الهلع والذُعر والأنانيَّة والطُغيان والظُلم والقُنوط واليأس، بل تستلزمُ تعزيز مناعتنا البدنية والروحية (الأخلاقيَّة)، ففيها مِتراسُ النجاةُ لنا ولغيرنا من العالمين.
إنَّهُ بالرُّغم من اندلاع نوبات الذُعر الأخلاقي بسبب هذه الجائحة العالميَّة، إلا أنَّهُ في المُقابِل تجد أنَّ الكثير آمن بحقيقة مصير البشريَّة المُشترَك، فتمسَّكَ بحبلِ أخلاقِهِ الغليظ، حيثُ ظهرَت فيه الأخلاقيَّات النبيلَة التي نحتاجُها في هذه الظروف الصعبة، فهُناك من أحسَن ومدّ يد العَون لغيرِهِ؛ كي لا يهلَك، وهناكَ من آثَرَ وأنفقَ وعفى عن المتجاوزينَ عليه وصبرَ على هذا البلاء وتبعاتِهِ وانعكاساتِهِ المختلفة إيمانًا واحتسابًا. هؤلاءِ أفرادًا وجماعات آمنُوا أنَّ النجاة الحقيقيَّة تكمُنُ في حِرصِنا على بعضِنا البعض لا في التوغُّلِ في الأنانيَّة والذاتيَّة التي لن تنجِّي صاحبها وإن طال الزمن. وفي هذا المقام أدعو نفسِي وإيَّاكُم بالتقدُّم نحو كُلِّ خير وعطاءٍ يُمكننا بذلَةُ في هذه الأيَّام لرفع الأذى الذي أصابَ غيرنا، سواءً كان أذىً ماديًا أو حتى معنويًا، فكما نعلم أنَّ مُجمَل مظاهِر الحياة اليوميَّة عُطِّلَت بهدف حصِر انتشار الفيروس في المجتمع، وعليه فإنَّ أعدادًا كبيرة من الأُسَر تضرَّرَت ماديًا ولم يعُد لهُم مَعينٌ يقتاتونَ مِنه، ولأجلِ هؤلاء ومَن على أمثالِهم فلنتقدَّم بالمساعدات ومدِّ يدِ العون. ومن المساعدات الهامَّة كذلك إماطة الأذى النفسي المعنوي الذي تسبَّبَ به الفيروس، فغالبيتنا مُرهقٌ في التفكير في الحياة التي يجتاحُها هذا الجُرم المستجدّ وقد أسهمَت وسائِل الإعلام بما تبُثُهُ من أخبارٍ دوريَّة حول مدى تفشِّي الوباء في المعمورة من زيادة هذا الأذى النفسي الذي تحوَّل لدى الكثير إلى نوبات اكتئاب وقلق، هؤلاء يحتاجُون إلى يدٍ عُليا فاضلة تُطبطبُ عليهم وتدثِّرُ شتات أنفسهِم، وأجزِمُ تمامًا أنَّ في محيطنا الكثير منهم نحنُ لا نعلم. وفيما أعدُّهُ من المساعدات هو تثقيفُ العمالة المنزلية ومن نُصادفهُ من عُمَّال النظافة، فقد اكتشفت أنَّ هؤلاء يحتاجُون إلى من يُعلِّمُهُم أساليب وطُرُق الوقاية أكثر من أيِّ شخصٍ آخر، فبعضهُم آتٍ من بيئاتٍ لم توفِّر لأبنائِها أدنى درجات الوعِي الصحِّي، والآن بما أنَّ هؤلاء أصبحوا جزءًا فعّالًا في محيطنا الاجتماعي، علينا أن نشملهُم كذلك في التثقيف والتوعية اللازمة للمحافظة على سلامتهم التي هي من سلامتنا جميعًا.
وفي الختام، أسألُ الله العليَّ العظيم أن يرفعَ عن أمَّتِنا والأُسرة الإنسانيَّة جمعاء هذا الوباء والبلاء، وأن يشفِي مرضانا ويرحَم موتانا ويرحمنا جميعًا برحمته التي وسعَت كُلَّ شيء، ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.

خولة مرتضوي