كتاب وأراء

تاريــــخ العــالـــــم وسؤال الإنقاذ الأخير

يمثل موسم الوباء الذي نعيشه تحت قهر فيروس كورونا، حالة فارقة في عمر الحياة البشرية الأخيرة، ولسنا نقول إن كوارث العالم وعصف الأوبئة، التي عاشها هذا الكوكب جديدة كلياً، فقد سجل التاريخ أوبئة وحروبا مهلكة للحرث والنسل، غير أن ما يُعاصره العالم الحديث اليوم، من حيث تاريخ التكوين الدولي ونمط صناعته، في تنظيم هيكل الأقطار بين عالم الجنوب وعالم الشمال، ثم تحديد سوق هذا العالم الاقتصادي، وقوته السياسية والعسكرية، وحتى تفوقه الطبي، يمثل له جائحة فيروس كورونا تاريخ جديد.
وحتى اليوم فإن مصل الإنقاذ الدوائي، أو الخروج من دورة الانعطاف الحالي لكورونا، لم تبرز معالمها، ولا يزال العالم يعيش تحت صدمات متتالية، في انهيارات عديدة تشمل بلداناً مركزية في الغرب، وخاصة في الولايات المتحدة الأميركية، ومشهد الآلاف من الضحايا الذين يسقطون في نيويورك وغيرها، تقفز أرقامهم بلا هوادة.
ولقد سقطت بالفعل عملياً مقولة أن الحالة شبيهة بشيء من التطور، لموسم الإنفلوانزا، فموسم الإنفلوانزا، لا يُسقط النظام الصحي، في أي دولة من دول العالم الثالث، فضلاً عن الدول ذات النظام الطبي القوي، كما أن سقوط نظرية المؤامرة، له قراءتان، فليست القضية مجرد نفي أن يكون الفيروس، تخلق ضمن مختبرات الحرب البيولوجية، للغرب أو الصين أو الروس.
وإن كانت دلالات العلماء، تُشير إلى أن تخلّق الفيروس في طورٍ جديد، متطرف ومتوحش، مرجح أنه تولد بسبب طريقة الشذوذ والاعتداء في تناول الأطعمة، كما تحدثنا عن ذلك من قبل، من حيث وضع حيوانات، خُلقت في مدار حكمة مختلف، مكان الأنعام التي جعلها الله طعاماً طبيعياً وصحياً، حين يسلم من تدخل الإنسان ونهمه، إضافة إلى وضع شاذ الطعام على المائدة، قبل خروج الروح بفترة كافية.
فالواقع اليوم يُشير إلى أن قصة تنظيم نشر الفيروس، حتى لو تخلّق في أي مختبر، لم تعد قادرة على الصمود، فأي دولة من دول العالم، حينما تضعها تحت المجهر، فأنت تدرك بمتابعة الحدث فيها، كيف تحول الموقف إلى اضطراب واسع، وفقدان أولي للسيطرة، ومن ثم نزف اقتصادي مهول، لا يمكن لأي دولة أن تخاطر بوضع ذاتها فيه، وأضف هنا تمرد الفيروس المطلق على الطبقية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فهو يعبر كل قصر ويضرب أي رأس في وجهه، ولا يبالي مطلقاً، بأي ميزان لمقامات البشر.
وهو ما يعيدنا للسؤال الأول، هل بالفعل واجه العالم مثل هذه الحالة أم أنها حالة فريدة، لم تسبق في تاريخ هذا العالم المعاصر، فأين سؤال النجاة؟
هل هو البحث عن اللقاح، أو قدرة التوازن الصحي لهذه الدولة أو تلك، وهو متطلب بشري عقلي ضروري، لكنه لا يكفي، هل سيعود العالم مرة أخرى لعجلة الطحن الرأسمالي، هل سيُحيّد الروح والأخلاق الوجدانية، وهو ينظر اليوم كيف تتساقط الفردانية المطلقة، التي ألغت التضامن الاجتماعي، ولم تصمد حتى قوانينها الإدارية البديلة، ماذا يعني أن يُشترى مخزون السلاح المعروض للاستخدام الفردي، كما جرى في مناطق أميركية قبل أن ينفذ مخزون الغذاء، والمستلزمات الحياتية الأخرى.
ماذا تعني كل تلك الصور للصراع سواءً كانت في الغرب أو الشرق، ومصادرة ألبسة الوقاية الطبية بقوة المال المعروض، أو بقدرة التنفيذ اليدوي، كم أنفق العالم على أموال الرياضة، على أموال الفنون، ليس كفنون تجري بصورة طبيعية مع ذوق الإنسان، ولكن تحويلها إلى نزعات نزوات حادة، وفوضى احتشاد، وتصنيم لممثليها، ثم تحويلها لسوق التسليع الضخم، لشراء التذاكر أو المنتجات الفنية والرمزية.
بمعنى أن الرياضة والفنون لم تعد موسيقى وجدان ورفاه ومتعة، ولا أفلام ثقافة ولا أعمال دراما، ضمن سياق الطبيعي للفنون الإنسانية، فالحياة المدنية لها مساحتها بين الشعوب، وإنما كلها خضعت، لهذا التوحش الذي سرق منا غذاء الفقراء، ومختبر البحث، ومُنعت منصات الحوار المستقلة للبحث الفلسفي الحقيقي، عن طريق الإنقاذ الكبير.
بقلم: مهنا الحبيل

مهنا الحبيل