كتاب وأراء

ذكريات جسر موستار (1)

داليا الحديدي
وإني لأرتجف كأوتار قيثارة شرقية كلما عدت من نوبة شرود لأيامي في البلقان والأناضول
فها هو دخان الذكريات يتحدى عضلات النسيان
وها هو سلطان الحاضر الواعي يركع إجلالًا لطيف الماضي الثَمِل.
وتتراءى أمامي تركيا ببوسفورها ودردنيلها وجلالها، وهيامات تلقي على ذاكرتي التماعة مضوية من صور أول رحلة لي بالأراضي الأناضولية.
محض هيامات ترسل لمسامع قلبي تارة صوت صفير الحسون، وتارة أنّات ناي حنون.
واليوم، بمجرد ما تلمست قدماي ركنا رقيقا منسيا بأقاصي الكون بصربيا والبوسنة والهرسك، وكرواتيا، أعود لركن الذاكرة المعهود بالأناضول المجاورة للبلقان.
يقولون إن العقل هو الدماغ قيد الاشتغال.
فيما أزعم أن الحنين هو الذكريات قيد الاشتعال.
كما أعلم أن الكتابة هي الاشتغال بالحرف، حال الاشتعال بجرف الذكريات من شواطئ الصبا.
أحداث مضت لحال سبيلها، ثم عادت فزارتني، فضايفتها بكأس من مُدام، ملأته حتى الجَمام، فغدا ذهني مستهاما
في زيارة ربعها للعمل لتغطيات صحفية، وجُلّها للسياحة مع صُحبة عائلية، سافرت لأنقرة بالأناضول، ثم توجهت للبلقان، وبقلب مدينة موستار عاصمة الهرسك، وقفت على الجسر الذي يطوق المحبين أسواره بأقفال حديدية لتجديد عهود أبدية الحب، فوجدت قلبي أكثر التصاقًا بتحناني لعهدي القديم بالأناضول.
لا الأشجار الصنوبرية تغريني ولا جمال مدينة «بركو»أو «بيهاتش» يثنيني عن تفضيلي لاسطنبول، ولا نهر«درينا» يقارن بمضيق البوسفور، ولا «الادرياتيكي» يقارب بحار الدردنيل، ايجة أو مرمرة، ولا جسر محمد باشا سكولوفيتش ولا حتى جبل «ايجمان» يبهرني، ولا «ترافنيك» العريقة بشلالاتها تلهيني عن الأناضول التي تظل لها الغلبة في قلبي.
ولا أجد تفسيرًا مقنعا لأن تعيش واقعًا أوروبيًا جميلًا، فيما قلبك معقول بلجام ماض آسيوي مُنصرم.
إذ كيف لشقراء جميلة أن تعلو على سمراء فاتنة؟
فمع زخات المطر، ومع هبات الصقيع، ومع هطول الجليد على الأشجار العارية إلا من كسوة قطنية مثلجة، كانت تظهرلي شذرات من صور لشخوص، ثم تختفي، كومضات متقطعة تختلس من ذهني قبضة من أمواج تمد وتجزر، كنقطة نور برتقالية تشق عتمة الليل من سحبة نفس سيجارة، ثم تختفي مع أول زفير. صورة ضابط (الكاركول) المخفر
وصور لموظف الاستقبال بفندق «اوتومان»، واخرى لشبيهة جدتي ولمطعم جنات .. ولقطات «لمصطفى ولصبهاتن»، وللعجوز راعي الدكان.. وصور لجامع «سلطان أحمت»، «دولما باتشا»، مقهى «مادو» وقاعة كبار الزوار بمطار القاهرة الدولى، حلواني «حافظ مصطفى»، طيور النورس، صوت«زكي مورين»، وأجراس ترام ميدان تقسيم، عدا شلالات جارفة من الذكريات شرعت تغزل خيوطها من لحظة وصول نبأ اجتيازي بتفوق للامتحان التحريري لوزارة الخارجية، حيث جاء ترتيبي الثالث بين زهاء ألف طالب متقدم للالتحاق بالسلك الدبلوماسي، تلا ذلك الامتحان الذي انعقد بالمعهد الدبلوماسي، ثم أخيرًا، وجدتني وجهًا لوجه مع هيئة لجنة الامتحان الشفهي، والتي لا أذكر منها سوى الدكتور مصطفى الفقي والدكتور أسامة الباز.
يومها، تداعت عليّ الأسئلة من كل صوب كرياح تتقاذفني بكرات الثلج، لكن لا اذكر منها سوى سؤال أحد السفراء
لو ألحقت بالعمل الدبلوماسي، فأي البلاد تودين تمثيل مصر بها؟ :حال تمثيل بلدي، لن انتبه كثيرًا لاختيار دولة بعينها، فلست في«برانش» انتقي من خلاله أطايب الدول، لذا، سأكون معنية باكتساب الخبرات من أي بلد.
قاطعني أحدهم: اكتساب الخبرات شعار منمق ولكن من أجل ماذا يعمل الدبلوماسي؟ للحفاظ على الأمن القومي الوطني
تمام، لكن لم التهرب من اختيار دولة؟
إن كان ولا بد، فأود تمثيل مصر في تركيا ثم في..
استوقفني دكتور الفقي: في أي القارات تقع تركيا؟
في آسيا، وجزء منها بأوروبا واسئلة اخرى كثيرة ثم خرجت من اللجنة في حالة ترقب، وكان اللغط قد اشتد بين المعارف حيث وصلني الكثير من الهمس مفاده... يتبع
كاتبة مصرية

داليا الحديدي