كتاب وأراء

لمحات من الواقع السوداني.. ذكريات عن «انتفاضة مارس ــــ أبريل 1985» «2-2»

لا زلت أذكر الكثير مماحدث من ابهار ومشاهد ذات بعد سياسي متفرد.. منها مشهد فتاة بحي الحماداب (والمنطقة هي جزء من مدينة الشجرة التي تضم الشجرة والحماداب معا).. تلك الفتاة (في بداية العشرينيات من عمرها) هتفت بجسارة بينما الموكب يسير نحو المقابر في شمال الشجرة لتشييع اول شهداء انتفاضة مارس - ابريل من عام 1985:-«يا خرطوم ثوري ثوري.. ضد الحكم الديكتاتوري».وكان البعض يهتف مخاطبا الطاغية نميري بالقول «صايع صايع وشعبك ضايع»، بمعنى انه مسافر والناس يعانون.
كان نميري قد سافر يوم 26 مارس وتبع سفره إعلان زيادات في أسعار السكر والصابون والزيوت.
وقال أحد افراد عائلتي مخاطبا الاشخاص الذين يهتفون قائلا: ليس شعبه. بمعنى ان الهتاف بان شعبك ضايع خطأ.
في صباح السبت «6 ابريل 1985» بدأت الاذاعة السودانية في امدرمان تبث مارشات عسكرية جعلت الناس يترقبون. وتم اذاعة البيان (بيان الراحل المشير سوار الذهب معلنا انحياز الجيش للشعب) وانفجرت افراح الشوارع.. افراح غير مسبوقة.
كتب الشاعر الراحل مجوب شريف يقول: يا شارعا سوى البدع اذهلت اسماع الملأ.. كالبحر داوي الجلجلة).
قبل ايام استعدت في ذاكرتي معان بليغة قالها الشاعر هاشم صديق في ملحمة ثورة اكتوبر 1964 قائلا: للشمس النايرة قطعنا بحور.. حلفنا نموت أو نلقى النور.
في ظهر السبت قال شخص (مواطن عادي) في الاذاعة السودانية كنا ننتظر هذا اليوم (يوم نهاية نظام نميري )لسبعة عشر عاما.
وهتف مواطن اخر من الغبش (تعبير سوداني عن الناس البسطاء) قرب صيوان خيمة عزاء اهل الشهيد قائلا: «صعب صعب يا أبو الذهب..».
قال له ناشط سياسي ارتحل عن دنيانا الفانية (هو الصحفي الراحل عبدالرحمن احمد فضل الله عم الشهيد محمد حسن احمد):- ): لا.. ما تقول كده.. نحن ما صدقنا اتخلصنا من نميري ومنعه من الهتاف. كان هدفه ان لا يصبح «سوار الذهب» مثل نميري.
أقول هنا إنني التقيت بالراحل المشير سوار الذهب عدة مرات عن قرب في الرباط بالمملكة المغربية ولمست مدى تواضعه وبساطته وعمق تدينه وزهده في الدنيا الفانية، ندعو له بالرحمة والرضوان.
هنا استعيد بلاغة شعر محجوب شريف في قصيدة له بعنوان (مساكن شعبية) يقول في ابياتها الأولى: الاسم الكامل إنسان.. والشعب الطيب والدي.. الشعب حبيبي وشرياني.. اداني بطاقة شخصية.. المهنة... بناضل وبتعلم.. تلميذ في مدرسة الشعب.
تجولت في العاصمة الخرطوم بمدنها الثلاث (الخرطوم وامدرمان والخرطوم بحري) مع صديقي الدكتور(مهندس) نزار محمد حسن، وكان وقتها يدرس الهندسة – تخصص هندسة ميكانيكية بجامعة الخرطوم ولاحقا أنجز الماجستير ثم سافر إلى أميركا، وأنجز دكتوراه في موضوع يتعلق بهندسة الري، كان نزار يقود موتور سيكل.. وسعدنا بالتجوال السريع بين جموع الشعب، وهي تحتفل بسقوط نظام ديكتاتوري صادر حرية الكلام السياسي.. توالت الافراح الشعبية البسيطة البليغة وتضاعفت الامال بحاضر مشرق وغد اكثر إشراقا.
الصور التي لا ازال اتذكر تفاصيلها كانت بينها صورة شهيرة للغبش يحملون الدكتور الجزولي دفع الله وكان وقتها نقيبا لللاطباء وصار رئيسا لوزراء المرحلة الانتقالية عام 1985 كان الدكتور الجزولي يرتدي جلابية ورأسه حاسر «دون طاقية».. الصورة التقطها له مصور ذلك اليوم التاريخي أمام سجن كوبر في الخرطوم بحري ( شمال الخرطوم) حين تم تحرير السجناء الذين اعتقلتهم اجهزة امن نميري في ذلك الوقت.
«عشرة ايام هزت السودان» كان عنوانا لكتاب الصحفي صلاح عبداللطيف الذي رصد فيه بدء الانتفاضة وتوهجها ونجاحها في تحقيق التطلع الشعبي العام.
أتذكر ان أعوان نميري كانوا قد نظموا ما سمي بـ «موكب الردع» ووردت فيه تهديدات شهيرة لافراد الشعب.
قال احد عناصر حزب الاتحاد الاشتراكي التنظيم الوحيد الذي كان مسموحا له بالعمل ايام نميري (سنطاردهم كالارانب وسنسحقهم كالعقارب).
في ذلك اللقاء قبل ان تسير مسيرة الردع وهي كانت محدودة وتوصف بالهزيلة لضعف مشاركة الجماهير قال احد اعوان نميري انظروا إلى انصار الحكومة وانظروا كيف يخرج «فلان».
وما حدث هو ان الجماهير حطمت منزل فلان الذي أشار اليه القيادي يتنظيم نميري السياسي، كان بيت ذلك الشخص في احد الاحياء الشعبية جنوب الخرطوم.
بقلم: جمال عدوي

جمال عدوي