كتاب وأراء

عن الواقع السوداني: أوراق من ذاكرة «أبريل 1985» «1»

في هذه السطور استعيد بعض ذكريات من يومي الجمعة 5 والسبت 6 ابريل 1985 في السودان. ذهبنا صباح الجمعة الخامس من ابريل 1985 إلى مستشفى الخرطوم في وقت مبكر صباحا لاستلام جثمان اول شهداء الانتفاضة في ذلك الوقت. انتفاضة السادس والعشرين من مارس عام 1985 التي نجحت في انهاء نظام حكم الرئيس الراحل جعفر نميري (1969 - 1985). استوقفنتني ورقة علقت على كفن الشهيد كتب فيها اسمه.. الشهيد محمد حسن احمد. كان ذلك يعني ان كل اطباء المستشفى مع الثورة ضد الديكتاتورية لانهم يعتبرون من سقط برصاص نظام نميري شهيدا.. وهي اشارة إلى ان النظام سقط فعليا. وقتها كانت النقابات قد اعلنت العصيان المدني وكان الرئيس الاسبق نميري في رحلة إلى «دولة كبيرة من دول الفيتو الخمس».كانت كل الشواهد تقول ان نظام نميري قد انتهى. .عدنا إلى منزل اهل الشهيد والذي أتشرف بأنني جزء من عائلته الكبيرة (عائلة آل فضل الله)، فعم الشهيد هو زوج عمتي الراحلة (زينب)، الرحمة والمغفرة والرضوان للجميع. .اتذكر ان عمتي في مساء الخميس (4 ابريل) رفعت عينيها إلى السماء بعد ان اخبروها بان الشهيد في المستشفى وانه تعرض لطلق ناري في شارع الجمهورية بالسوق الافرنجي بالخرطوم. رفعت عينيها ودعت المولى عز وجل قائلة: «يا رب انت شايف نميري ده بيعمل في شنو».
الثورة في السودان ضد الظلم ظلت ديدنا للجماهير منذ الاستقلال المجيد في يناير 1956. فقد اسقط السودانيون نظام عبود في اكتوبر 1964 واسقطوا في وقت لاحق زمنيا نظام نميري في 1985 وبعده نظام البشير في 2019.وبالاستمرار في الاستعادة من الذاكرة لتفاصيل من يوم الجمعة (6 ابريل 1985) اتذكر انه بعد تجهيز جثمان الشهيد للدفن وخروج كل مدينته (مدينة الشجرة الواقعة جنوب الخرطوم) والقريبة من مقر «سلاح المدرعات» اتذكر ان هتاف الجماهير كان يقول «شهيد الشجرة شهيدنا الأول».لا زلت اذكر مشاهد متفردة منها مشهد فتاة بحي الحماداب (والمنطقة هي جزء من مدينة الشجرة التي تضم الشجرة والحماداب معا) تلك الفتاة هتفت بجسارة، بينما الموكب يسير نحو المقابر في شمال الشجرة: «يا خرطوم ثوري ثوري.. ضد الحكم الديكتاتوري». وكان البعض يهتف مخاطبا الطاغية نميري بالقول «صايع صايع وشعبك ضايع». بمعنى انه مسافر والناس يعانون. وكان نميري قد سافر وتبع سفره اعلان زيادات في أسعار السكر والصابون والزيوت.وقال احد افراد عائلتي (ابن عمتي ) مخاطبا الاشخاص الذين يهتفون قائلا: ليس شعبه. بمعنى ان الهتاف بأن شعبك ضائع خطأ.
في صباح السبت «6 ابريل 1985» بدأت الاذاعة السودانية في امدرمان تبث مارشات عسكرية جعلت الناس يترقبون. وتمت اذاعة بيان الراحل المشير سوار الذهب معلنا «انحياز الجيش للشعب)..
{ (يتبع)
بقلم: جمال عدوي

جمال عدوي