كتاب وأراء

صدفة مدبرة

داليا الحديدي
نعيش مع أولادنا أجمل الصراعات.. نريد الأنس بهم، فيما لا يعنيهم سوى الجوال والألعاب الإلكترونية، حتى الدراسة صارت إلكترونية على الحاسوب.
وبالمثل أعيش مع بناتي أرهف الصراعات، بين الرغبة في تعديل السلوك باستخدام صلاحياتي وسلطاتي كأم تستطيع بسط نفوذها، وبين قناعاتي بأن الحب يتطلب ويستتبع منح حرية الاختيار للمحبوب.
صراع الواجب في تعليم سلوكيات معينة وهاجس الأوجب في توسل وسيلة لائقة في تطبيق هذا الواجب.
فأغلب الديكتاتوريين يمارسون الإخضاع ويرجون الانصياع ويفتحون السجون ويغلقون العقول بمبررات المصالح العليا.
بناتي على سبيل المثال «هليهليين» والمصطلح عامي لكنه يفضح حقيقة المعاناة، فلا اهتمام بمظهر ولا بآداب طعام، ما يستتبع اعتراضات من جانبي على طريقة المعيشة.
..
فمثلا: منذ فترة، وقبل عزلة «كورونا»، ألحت ابنتي للذهاب لشراء حلوى من دكان صغير داخل المجمع الذي نقطنه،
فلم أمانع، لكن طلبت منها تغيير ملابسها.. الحقيقة أنا لا أكف عن مطالبتهن بتغيير الثياب بمجرد الاستيقاظ بدعوى أن ملابس النوم لا تصلح سوى للنوم.. وملابس البيت لا تصلح خارج البيت.
لاحقا، وانصياعا للواقع تقلصت مطالبي، فبت أوافق على ملابس بيت لكن بقدر ولو معقول من اللياقة.
لكن أولادي كلهم يصحون وينامون ويصلون ويخرجون ويلعبون ويقيلون بنفس الدثر وهم ملتصقون بكنزة بغطاء رأس يسمونها Hoodie. ويعتبر «الهوودي» هذا نوعا من الكنزات الواسعة، ويبدو أنه صرعة جديدة في عالم الأزياء.
وعبثا أحاول تغيير رأيهن لارتداء أي شيء جديد ومرتب، لكن دون طائل.
المهم فاتحني شيطاني في فكرة الاتصال بجارتي لأطلب منها أن ترسل بناتها لكي تقابل بنتي بصدفة مدبرة في الدكان، حيث ارتأيت ان هذا الترتيب لمقابلة صدفة قد يُشعر بناتي بالحرج من ملابسهن الرثة التي يرفضن تغييرها، ما قد يؤدي لتعديل لاحق في السلوك.
وبالفعل أمسكت بالجوال وطلبت رقم جارتي ثم سارعت بإغلاق الخط.
..
تراجعت في اللحظة الأخيرة، إذ لم تعجبني فكرة التحايل كما وجدتني بذلك سأخون قناعاتي في أولوية توفير الحرية لمن نحب عوضا عن أنني خشيت عليهن من عذابات الإحراج.
عادت ابنتي سريعا ووجدتها تتهامس مع اختها وعليها علامات الحسرة. ولكم كان ذهولي حين أخبرتني أنها قابلت جارتنا «ياسمين» صدفة بالدكان.
ووصفت لي عمق الحرج الذي شعرت به حيث كانت جارتنا بمنتهى الأناقة وقد اقتربت من صغيرتي وصافحتها بثقة.
اعتقدت أن هذا الموقف سيكون درسا لبناتي في ضرورة العناية بالهندام والمظهر، لكن هيهات، فحتى الآن لم ألحظ أي تغيير.
على كل حال، لربما وعيت أنا درس عدم الالتفاف للتحايل باختلاق صدف مصطنعة تفسد الولاء للقناعات، فترك الأمور لله سيقود للأفضل دون خيانة القناعات.
أكثر من ذلك، قررت أنا شراء عدد من «الهووديز» وتصفيف شعري بما يسمى بالـ messy ban لكي لا تشعر ابنتي لدى التعامل معي أننا من أجيال متنافرة. وجدت «الميسي بان» لطيفة رغم أنني أفضل الشعر المموج أو المفرود، لكنني على استعداد للتغيير.. لو كان ذلك الثمن واعدا بالالتقاء مع صغاري في منتصف الطريق.
كاتبة مصرية

داليا الحديدي