كتاب وأراء

من «الذاكرة الفلسطينية».. حين قرر الشعب «الإضراب»

بتاريخ 25-3-1976 اجتمع رؤساء السلطات المحلية العربية في الداخل المحتل عام 1948، في بلدية شفا عمرو، وبإيعاز من «حكومة الاحتلال» لإلغاء الإضراب العام المُقرر في الثلاثين من مارس في حينها، احتجاجاً، وتنديداً، ومقاومة، لسياسات الاحتلال بمصادرة الأرض وتهويدها في الجليل والمثلث والنقب. ويومها خرج من الاجتماع القائد الفلسطيني في الداخل توفيق زيّاد (أبو الأمين)، وهتف موجهاً كلامه لسلطات الاحتلال، وأمام المئات من أبناء شعبنا المحتشدين عند بوابة بلدية شفاعمرو: لا حق لكم بإلغاء الإضراب.. الشعب قرر الإضراب.
وعندها التفت الجمهور الفلسطيني في الداخل المحتل عام 1948 حول توفيق زيّاد (أبو الأمين) لحمايته ولحماية قرار الإضراب، وحصلت مواجهات بطولية مع شرطة الإحتلال، وكانت تلك فاتحة انتفاضة يوم الأرض الفلسطينية. ويومها، وللمرة الأولى، عقد المكتب السياسي لحزب راكاح (حزب فلسطيني فيه بعض اليهود المعادين للصهيونية) اجتماعاً سرياً في بيت الفنان التشكيلي الفلسطيني القدير عبد قاسم عابدي في مدينة حيفا، وأقر فيه نهائياً الإعلان عن إضراب يوم الأرض في 30 مارس 1976.
لم يكن يوم الأرض إلا نموذجاً مُتمايزاً ليوميات نضال الشعب الفلسطيني وكفاحه الوطني عبر العقود المتتالية منذ نكبته الكبرى، فقد شكّل يوم الأرض التحدي الفلسطيني الصارخ لسياسات الاحتلال، وعلامة فارقة ومرحلة نوعية من تاريخه في الأراضي المحتلة عام 1948، وفي الضفة الغربية وقطاع غزة والشتات الذي جسد من خلالها وحدته وتلاحمه وعمق انتمائه الوطني لفلسطين.
إنها انتفاضة يوم الأرض الفلسطينية، اليوم الخالد في ضمير الشعب الفلسطيني ومناصريه، حيث تشابكت الأيادي ورصّت الصفوف في مواجهة سياسات الاحتلال، الهادفة لابتلاع المزيد من الأرض الفلسطينية وتشريد ما تبقى من سكانها في الداخل المحتل عام 1948، فعبّر الشعب الفلسطيني بيوم الأرض عن عمق تمسكه بأرضه واستعداده للتضحية في سبيلها، حين سقط في يوم الأرض الشهداء: من (بلدة سخنين قضاء عكا) الشهيد خضر خلايله، والشهيد رجا أبو ريا، والشهيدة خديجة شواهنة. ومن (كفر كنّا قضاء الناصرة) الشهيد أسعد طه، ومن (عرابة البطوف قضاء عكا) الشهيد خير ياسين، ومن مخيم طولكرم الشهيد رأفت علي زهيري.
والآن، والشعب الفلسطيني على امتداد مساحة أرض فلسطين التاريخية، وفي الشتات، يعمل على إحياء يوم الأرض في الذكرى (44)، في ظل ظروفٍ معروفة، وأوضاع مستجدة على الجميع، لذلك ستقتصر الفعاليات، وكما أكدت جميع الهيئات والقوى الفلسطينية في عموم الداخل الفلسطيني، على رفع العلم الفلسطيني من فوق أسطح المنازل، وتفعيل إحياء المناسبة عبر وسائل التواصل، خاصة مع الأصدقاء والحلفاء، والجهات الدولية المعنية، والمنابر الإعلامية، والقنوات الدبلوماسية العربية.
إن فلسطينيي الشتات، وتحديداً لاجئي فلسطين في (سويا + لبنان + الأردن) الذين حملوا على أكتافهم مسار الثورة الفلسطينية المعاصرة، وقدموا أنهار الدماء عبر مسيرتها الطويلة، يقفون الآن في الخندق الواحد مع فلسطينيي الداخل، بوحدة الإرادة، ووحدة الأهداف، ووحدة القضية، ووحدة الشعب الفلسطيني في كل مكان. أخيراً، الشهداء الذين استشهدوا يوم الأرض، أقيم لهم النصب التذكاري الكبير في ساحة بلدة سخنين، من قبل الفنان الفلسطيني عبد عابدي ومعه الفنان (غريشون كنسبل) المُعادي للصهيونية.
بقلم: علي بدوان

علي بدوان