كتاب وأراء

«كورونا» الذي لا يهتم بنظريات المؤامرة

يبدو العالم حاليا بما يحدث فيه كما لو أنه يشكل المناخ المناسب والخصب جدا للمهووسين بنظريات المؤامرات السياسية والعسكرية والاقتصادية، الذين لديهم شروحات ومطولات عن كيف تحدث المؤامرات ومن تستهدف وماذا تستهدف وما هي نتائجها وكيف سيصبح العالم بعدها.
ومن يستمع إلى أصحاب هذه النظريات، أو يقرأ ما يكتبونه، وهم حاليا نشطون جدا على وسائل التواصل الاجتماعي، الذي يشكل بدوره منبرا مناسبا لقول ما يريدون، سيلاحظ التسلسل المنطقي في سرد الوقائع وتحليل ما يحدث، إلى حد قدرتهم على الإقناع وجعلنا نفكر، نحن الذين لا عمل لنا حاليا غير متابعة كل ما يتعلق بأخبار الفيروس، انتشاره، عدد الإصابات في كل بلد، عدد ضحاياه، طرق الوقاية منه، الإجراءات التي تتبعها الدول للخروج منه بأقل الخسائر الممكنة سواء خسائر بشرية أو اقتصادية، نحن، الذين نفعل هذا يستهوينا حتما قراءة أو سماع تحليلات عن نشوء الفيروس وطريقة انتشاره، إذ أننا أولا نريد أن نفهم ما يحدث، وثانيا أننا كبشر مفطورين على الفضول ومعرفة الخبايا والأسرار، ونظريات المؤامرة هي أكثر ما يناسبنا، فهي من جهة تجيب على سؤال: ماذا يحدث، ومن جهة أخرى تنعش في لاوعينا رغبة التلصص واكتشاف السر وراء كل ذلك. لم تترك نظريات المؤامرة الحالية شيئا إلا وضمته إليها، فالفيروس تم تركيبه من قبل الدول المتقدمة لإنهاء أزمتها الاقتصادية عبر التخلص من كبار السن، المعفيين من الضرائب والحاصلين على تأمينهم الصحي الكامل، وهو ما يكلف الدول ذات التأمين الصحي الكثير من الأموال، أو أن الفيروس اخترعته الصين لتتمكن عبره من فرض سيطرتها الاقتصادية على العالم حتى لو فقدت مئات آلاف الصينيين ضحايا للفيروس، فهي تدرك أنها مهما فقدت فلديها ما يكفي من البشر، أو أن الفيروس سربته أميركا إلى الصين ضمن الحرب الاقتصادية المعلنة بينهما، في محاولة أميركا لضرب اقتصاد الصين بالضربة القاضية، أو أن الفيروس مؤامرة أميركية على الدول الإسلامية لإضعافها وإضعاف نفوذها ضمن الحرب الغربية المتواصلة على الإسلام، أو أن الفيروس هو مؤامرة من الدول الرأسمالية الإمبريالية لإعادة إنتاج تحالفات اقتصادية وسياسية جديدة في العالم، ومن ضمن نظريات المؤامرة أيضا أن الفيروس مخطط له سابقا من قبل أوروبا ولهذا استقبلت أوروبا اللاجئين السوريين لتستفيد القارة العجوز من القوة الشبابية السورية، بعد أن تقضي على أبناء القارة العجائز! وثمة نظريات وتحليلات أخرى كثيرة عن اقتراب انهيار النظام الرأسمالي أو تفكك الاتحاد الأوروبي أو عودة الشيوعية بحلة جديدة، هذا طبعا عدا عن العنصريات المقيتة التي ظهرت ضد الشعوب المصابة سواء الصين أو أميركا أو إيران، باعتبار أن سياسات الدول الثلاث تلك تشكل نقاط خلاف دائمة حول العالم، دون أن ننسى شماتة وعنصرية الإسلاميين الراديكاليين الذين اعتبروا الفيروس انتقام رب العالمين من الدول الكافرة.
هذه النظريات والاتهامات تبادلتها الدول المصابة بين بعضها البعض، وكتب عنها محللون ومفكرون عالميون على قدر كبير من الشهرة، وحكاها رجال دين من مختلف الديانات وفي كل العالم، وطبعا تم تناقلها بإضافة المزيد من التشويق من قبل من تستهويهم نظريات المؤامرة ويروجون لها في كل حدث، فما بالكم بوباء وجائحة لم تترك دولة واحدة في العالم إلا ووصلت إليها! على أن «الأخ كورونا» يبدو أنه غير مكترث بكل ما يقال عنه، فهو يواصل تقدمه وانتشاره مستغلا حالة الانكار التي يبدو انها حالة جمعية بشرية ولا تختص بشعب دون آخر، مستغلا أيضا انهيار النظم الصحية في الكثير من دول العالم المتقدم والمتأخر والتي تنفق المليارات على شراء وصناعة وتجارات الأسلحة الفتاكة والقاتلة على حساب مستقبل شعوبها الصحي والنفسي، مستغلا أيضا حالة ضعف المناعة التي أصبحت شبه عامة لدى البشر جميعا من فرط استخدام الهرونات في الزراعة وفي تعديل الموروثات الجينية للحبوب، وإطعام الحيوانات التي يأكلها البشر أنواعا من الأعلاف التي تحوي نسبة كبيرة من الهرمونات بقصد التسمين والتسريع بالذبح والربح، مستغلا أيضا الاستبداد والديماغوجية وانعدام الشفافية لدى الكثير من أنظمة العالم مع شعوبها بحيث انتقل الفيروس بسهولة بسبب تعنت بعض الأنظمة في الإفصاح عنه خشية المساس بسمعتها الاقتصادية أو السيادية.
بقلم: رشا عمران

رشا عمران