كتاب وأراء

رياح الممكن تَهبّ!

بقلم :
د. سعاد درير
كاتبة مغربية
الكثيرُ منا يستهويه السفر والابتعاد عن المكان بين الفينة والأخرى بحثا عن أزمنة أخرى تَضرب له موعدا مع شجرة الأمل الوارفة الظلال، إنه السفر الذي ما زال إلى الآن متنفَّسا لهُواة التماس الراحة النفسية لا سيما بعد الضربات العاصفة بسفينة النفس لتنأى بها عن ميناء السلام والطمأنينة.
غير أنه، في المقابل، سنَجِدُ الكثيرَ منا لا يرتاح لفكرة السفر، لماذا؟! لأنها تسرق منهم، ربما، إحساسهم برغد التعود والدفء النفسي الذي يحققه الاستقرار في المكان نفسه الذي تَكَيَّفَتْ معه عصافير الروح الحالفة ألاَّ تَخذل اشتهاءات الجسد.
إنه السفر يا صديقَ أيامي الحلوة والمرة، أو لِنَقُلْ تلك الرحلة النفسية التي شكلت تخوفا كبيرا بالنسبة للإنسان على امتداد مواسم الرحيل الغابرة، لماذا؟! لأن السفر في الزمن المستحيل لم يكن دائما يَعِدُ بعودة ميمونة.
وهذا راجع بطبيعة الحال إلى صعوبة التنقل من مكان إلى مكان في أزمنة راحلة، لذلك باتت رحلة الحج إلى بيت الله مُسَيَّجَةً بأشواك الخوف من اللارجعة، على اعتبار أن الطريق كان شاقا، فما بالك بمن كان يُقيم في بلدان أبعد ما تكون عن المكان!
عن هذا السفر يكتب لنا المتألق بحِبره الحارّ عبد الجبار السحيمي الكاتب المغربي البارّ، إنه رَجُل القصة البارّ بقُرَّائه وهو يَعِدُهم ويُمَنِّيهم بكل التشويق والإثارة على مدار عقارب ساعة الكتابة.
شيء من لآلئ الممكن نَلْتَقِطُه بأريحية في زمن المستحيل من رمال المجموعة القصصية الجميلة لصاحبها عبد الجبار السحيمي الْمُسَمَّاة «الممكن من المستحيل»، لِنَقُلْ إنها قصة الاغتراب الروحي الذي ينتاب بطلا يُجرب لأول مرة أن يسافر طائرا، ولْيَكُنْ طيرانه ذاك بلا أجنحة.
رحلة البطل تبدأ من حيث رَتَّبَتْ له أقداره مكانا بين الهواجس والتخوفات التي ما أبعد أن يُصَمِّمَ على القفز عليها أو الانفلات. إنها تجربة البطل الأولى في ركوب السماء، ومع أن الرحلة كانت قصيرة ولم تتجاوز الساعات، فإنها شكلت بالنسبة للبطل حياة ثانية.
الهواجس النفسية تنهال على البطل لتَجْلِدَه في صمت، ولا مَن ينتبه إلى ما يَجُول في دواخله هو الذي يخوض تجربة رحلة ثانية عنوانها الهذيان، إنه الهذيان الذي لا يتركك بسلام وأنت تَسقط بين مخالب الحمى، لكن لِنَقُلْ إنها حُمَّى الخوف التي كانت تُمْلِي على البطل ما تقتضيه اللحظة الهاربة من الوقت.
لوهلة يكاد البطل يفقد السيطرة على نفسه وهو يُصَوِّرُ له عقله أنه السفر إلى الآخِرة ذاك الذي كان في انتظاره، ولماذا؟! لأنه لأول مرة يجرب الرحيل عبر طائرة البوينغ التي كثيرا ما سمع عن مغامراتها الكارثية التي انتهت بالسقوط المدوّي.
ولأن البطل يتماهى مع شخصية الكاتب الذي عمل في حقل مهنة المتاعِب (الصحافة)، فإنه كان يفكر في شيء واحد لا أكثر، ألا وهو الجرائد التي ستكتب عن الخبر الصادم ما أن تسقط طائرة البوينغ لتسقط معها حياة أبطالها الرُّكَّاب.
في حالة ترقب وانتظار مُرْهِقَين كهذه، كان من الطبيعي أن يتغلب الألم على بصيص الأمل الهارب، ويكفي هنا أن نُعايِنَ الحالة النفسية البائسة للبطل، لنقل إنها تلك الحالة التي جعلت الكاتب المتمكن من أدواته السردية يَصِفُه كالآتي:
«لون الموت يصبغ شفتيه» (عبد الجبار السحيمي).
وهنا لا غرابة أن يتساءل القارئ:
- هل حقا للموت لون؟!
- كيف للموت أن يتحول إلى آلة/ أداة صباغة؟!
- وهل يبدأ الموت من الشفاه؟!
صحيح أنها أسئلة قد تثير شيئا من الغبار الذهني، لكن تَأَكَّدْ يا صديقي أن الكاتب يُحاول أن يدفعنا إلى الاقتناع بأن قوة الهواجس التي كانت تمضغ قلب البطل وتعصره كافية لجعلنا نُصَدِّقُ أن الأوكسيجين قد بدأ يحتبس عنده.
ولا غرابة أن تَتَّخِذَ القطعة من الجسد اللون الأزرق عند احتباس الأوكسيجين فيها، لذلك فإن أكثر ما يُنذر بشبح الموت هو أن تتخذ الشفاه لون الزرقة.
مأزق نفسي كهذا الذي وجد البطل نفسَه فيه لا شك في أنه سيدفعه دفعا إلى استحضار كل مُحَصَّلِه القَبْلي في المجال الديني، ولْتَكُنْ الشهادتان أول ما يستحضره المسلم في رحلة مرهِقة كرحلة السفر إلى الآخِرة.
أحقا قُلنا الآخِرة؟!
نعم، صَدِّقْ يا صديقي، فعلى امتداد مواقف الإنسان المصيرية والحاسمة تلك التي يتراءى له فيها مشهَدُ موته ينعكس انعكاسا مِرآويا قُبالة عينيه سيحتاج يقينا هو إلى أن يُفرغ جعبته الدينية طلبا للسلام في غياب طوق النجاة.
لكن هل نحتاج دائما إلى لحظات مفصلية كهذه لنعيد ربط الاتصال بمرجعيتنا الدينية ونلتمس حبلا للتعلق بآيات الله القرآنية؟!
وكم يلزمنا من رحلة غيبوبة كهذه لنتذكر هويتنا الدينية ونُحَصِّنَ نفوسنا من الشر المحدق بنا؟!
إنها رسالة مشفرة يمررها الكاتب عبد الجبار السحيمي بذكاء لننجح في أن ننتشل نفوسنا من مستنقع ما يُلهينا عن الانشغال بكتاب الله، فلا يُعقل أن نمضي مضي بطل القصة الغافل ذاك الذي يصبح أقرب ما يكون إلى ربه في الساعات التي تفصله عن مقعده في الآخِرة.
لِنَقُلْ إنها لغة التحصين، التحصين النفسي هو ذاك الذي يجعل المرء يتغلب بجدارة على كل ما يفرضه زمن الواقع، وإلا ما معنى أن تفكر في التقرب إلى الله في اللحظة الحاسمة التي لن تَجِدَ فيها مطلقا يا صديقي مُتَّسَعاً للعبادة.
كُلُّ من جرَّبَ موقفا كهذا سيشعر يقينا بقسوته (الموقف) على النفس الإنسانية تلك التي تنصرف كل الانصراف عن التعلق بحبل الدنيا لتنشغل بذكر الله، لكن هَيْهَاتَ لها أن تَفوز بنجاة، لا سيما أن الكلمات تُضيع الطريقَ إلى شفاه القلب، فيشعر المرء كأنه نَسِيَ كل ما يُذكِّرُه بمولاه.
ما أقسى أن تحاول التلفظ بالمعوذتين في الزمن الرهين بتعذيبك الروحي، فإذا بك لا تُجيد الحفاظ على ترتيب الآيات البينات من فرط الخوف ووطأة الوجع النفسي الذي يتآكَل قلبك تحته!
رياح الممكن تَهُبّ وتنتهي الرحلة عند بطل القَصّ بسلام يَعِدُ باستعادة البطل لشيء من السِّلم الداخلي، إنه السلام النفسي الذي كان آخِر ما يمكن أن يفكر فيه البطل على مَرّ زمن الخوف والترقب.
مرة أخرى نستشف مما نقف عنده في القصة مفهومَ الحماية الروحية أو التحصين النفسي ذاك الذي يَنبغي أن نعول عليه في زمن الرخاء حتى لا نحسب حسابَ الخوف الذي يَضرب لنا مواعيد في زمن الشدة.
رسالة إنسانية كهذه ما أَحْوَجَنا إلى أن نتعلم منها الدرس الواقي، لنقل إنها الوقاية التي تجعلك في منأى عن فجوة الفراغ التي تسقط فيها مع كل موقف حاسم يُمْلِي عليك إكراهاته.
في اللحظات الحرِجة التي تُسَوِّرُنا بأسوار الخوف والترقب سنَجِد أن ما بيننا وما بين الموت أقصر من المسافة الكائنة بين شفتيك والكأس التي تَرشف منها شيئا فشيئا، لذلك علينا أن نعدّ العدَّة لمواجهة مواقف كهذه بشجاعة المؤمن الذي يَتخذ إيمانه زادا ومعطفا لشتاء الحياة.
كُنْ أقربَ ما تكون إلى ربك في زمن الوصل وازرعْ ما أمكنك، واحصُدْ ما شئتَ في الزمن المهدِّد بالقطيعة، فإنه الزمن الذي لا يَنفعك فيه لَقَبُكَ ولا مَنْصِبُك ولا مالُك ولا جاهُك، لن ينفعك فيه إلا ما أَعْطَيتَه بيَدِكَ وشَفَتَيْكَ، وما كنتَ تحرث له بصادق الصلاة وخالص الدعاء وطاهر العمل.

سعاد درير