كتاب وأراء

أثَرُ العولَمَة في العمَل التطوُّعِي

أثَرُ العولَمَة في العمَل التطوُّعِي

خولة مرتضوي
تُعَدُّ العولمَة تحوُّلًا تاريخيًا كبيرًا في القِوَى الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة في العالَم وذلِكَ من حالَة المُلكيَّة المُطلقة في مجالات: الحُكومَة والدولَة والتربيَة والتعليم والاقتصاد والعمل ورؤوس الأموال والفِكر والفُنون والثقافات والاتجاهات والعادات والمُعتقدَات وكافَّة مجالات الحياة المُعاصِرَة؛ إلى حالَة التشكِيل البرغماتِي وِفقًا لمصالِح الدُوَل الكُبرى والشركات الضخمة عابِرَة القارَّات ذات القُوَّة والضغط العالمِي كبير الشأن خاصَّة بعد نِهايَة الحرب البارِدَة. وكان لهذِهِ الظاهرة الكونيَّة الجديدة، العولمة، تأثيرًا كبيرًا على آليَّات العمَل التطوُّعِي، خاصَّةً فِي بُعدِهِ الإنسانِي، حيثُ أحدثَت تغييرًا جذريًا في مفهُوم ومضمُون وإجراءات وأسالِيب العمل التطوُّعي وذلك في الجانبين الإيجابِي والسَلبِي.
إنَّ العمَل التطوُّعِي ينتَظِمُ بعددٍ من القِيَم والاعتبارات الإنسانيَّة التي تتكئ على الرحمَة وحُبِّ الخير والإحسان والتسامُح وابتغاء الأجر والثواب من الله العليِّ العظيم، وفي مُقابِل هذِهِ القيَم النبيلة، نُلاحِظ أنَّ قِيَم العولمَة تتكئُ على النفعِيَّة والربحِ والاستهلاكِ والمُنافسَة دون النظَر لأيِّ اعتباراتٍ أُخرى، لذا نُلاحِظ أنَّهُ ثمَّة أزمَة كبيرة تنشأ بينَ القِيَم الإنسانيَّة للعمَل التطوُّعِي من جهة وبينَ القِيَم المادِّية البحتَة التي تستنِد إليها المُجتمعات العالميَّة المتأثِّرَة بمدِّ العولمة. وقد أثِّرَت العولمة سلبيًا بشكلٍ كبير على البُعدِ الإنسانِي في العمَل التطوُّعِي، ومن مظاهِر ذلك، أولًا: تفاقُم وزِيادَة المُعاناة الإنسانيَّة التي تتمثَّلُ في العوَزِ والقهرِ والفقر، إضافةً إلى إبعاد الشأن الإنساني عن دوائِر الاهتمام العالميَّة والتي أنتجَت اتساعًا في الهُوَّة بينَ الأغنياءِ والفُقراء وتكرِيس مبدأ الغاية تُبرِّر الوسِيلَة، فالرِبح هُو المُبتغى الأعظَم الذي يُقصِي وجود أي قيمَة إنسانيَّة، ثانيًا: تراجُع العِنايَة بالبُعد الإنسانِي على حِساب البُعد الاقتصادي أو التَنمَوِيّ، ومن مظاهر ذلِك: تحوُّل التطوُّع، عندَ البعض، إلى نوعٍ من المنفعَة المادِّيَة على حِساب القيمَة الإنسانيَّة التي يخلقها التطوُّع، إضافة إلى هيمنَة الحُكومات والسُلطات على مؤسسات العمل الخيري والتطوُّعِي ومحاولتها السيطرة عليها، ثالثًا: محاولة تغيير وتبدِيل مفهُوم البُعد الإنسانِي بسبب تأثيرات العولمَة على المنظومَة الإنسانيَّة القيميَّة حول العالم، ففي السابِق كانَ البُعد الإنسانِي في العمَل التطوُّعِي يُمارَسُ بدافِعٍ غريزِيٍّ وفِطرِيٍّ بحت مُتجِهًا نحوَ إعلاءِ قيمَةِ الإنسانيَّة وحِفظ كرامة الإنسان (الفقراء، المديونون، اليتامى، المرضى، ضحايا الحروب والكوارث الطبيعيَّة، ذوو الاحتياجات الخاصة وغيرهم) وذلك بصَرفِ النظَرِ عن أيَّةِ اعتباراتٍ أُخرى، أمَّا اليوم فالأمر اختلَفَ كثيرًا، فلم تعُد هذِهِ الحالات الاستثنائيَّة تستجدِي الضمائِر المُعولمَة، فقطاعُ التطوُّع والعمَل الخيرى أصبح إحدى قطاعات التنمية الوطنيَّة جنبًا إلى جنب القطاع الحُكومِي والخاصّ.
العولمة كغيرها من النُظُم العالميَّة الجديدة، ليسَت شرًّا تامًا ولا خيرًا مُطلقًا، ولها إيجابياتُها كما أنَّ لها سلبياتها التي تنعكِس مُباشرةً على البُعدِ الإنسانِي في العمَل التطوُّعِي من قريبٍ أو بعيد، ومِن هذِه الإيجابيَّات التالي، أولًا: استثمار تكنُولوجيا الإعلام والاتصال الجديدَة ونشِر ثقافة العمل التطوُّعِي حول العالم، الأمر الذي أسهَمَ في تطوِير هذا المجال بشكلٍ كبير وتوسِيع دائرَة المشاركَة فيهِ وزيادة أعدادِ المُشارِكِين المستفيدين من التطوُّع حولَ العالم، إضافةً إلى تيسِير طريقِ الوُصُولِ إلى ألفِئات المُهمَّشَةِ وبالتالِي تجاوُز الحدود المحلية والإقليميَّة إلى الحدود العالميَّة الرحِبَة وذلك في مجال العمل الإنسانِي التطوُّعِي. ثانيًا: المساهمَة في ربِط العمَل الإنسانِي التطوُّعِي بالتنميَة المُستدامَة الشامِلة لكافَّة جوانِب وفِئات المجتمع، فمجالاتُ العمَل التطوُّعِي تُصبِح مُتَّصِلَة وحيويَّة باتِّصالِها الوثِيق بمجالات التنميَة البشريَّة والاجتماعية الشامِلَة. ثالثًا: انخراط العمل الإنسانِي التطوُّعِي في دورٍ مدرُوسٍ ومُنظِّمٍ يُسايِر المُستجِدَّات في الحاجات الإنسانيَّة، وانتقال التطوُّع من مرحلَة تقدِيم المُساعدات للآخرين إلى تنميَة قُدرات ومهارات وإمكانيَّات هذِهِ الفئات الإنسانيَّة لتُصبِحَ فاعِلَةً في المجتمَع بما يجعلُها قادِرَة على تجاوُز حالَة الاحتياج والعجَز إلى مرحلَة الاكتفاء والإنتاج والفاعليَّة في إعالَة النفس والآخرين كذلك. رابعًا: تنويع مصادِر الدَخِل بتوسِيع دائِرَة التطوُّع وازدياد أعداد المستفيدين مِنه حولَ العالَم، فالعولمَة أسهمَت في توسِيع نِطاق الاهتمام بالعمل الإنسانِي التطوُّعِي، وكانَ من ثمرات هذا الاهتمام؛ قرار الجامعة العربيَّة أن يُخَصَّص يوم 15 يوليو من كُلِّ عام ليكونَ يومًا للعمَل الوطنِي بالدول العربيَّة بهدَف الترويج لأعمال الخير، وكذلك من ثمرات هذا الاهتمام العالمي، ما نشهدُهُ اليوم من زيادةٍ في أعداد المؤسَّسَات والجمعيَّات الخيريَّة المحليَّة والدوليَّة. خامسًا: تجاوُز العمل التطوُّعِي للحُدود القاريَّة والإقليميَّة، الأمر الذي جعل المتطوعين حول العالَم ينخرطون في أعمال إنسانيَّة تطوُّعيَّة دونَ اعتبارٍ لأيَّة تمايُزٍ بين من يستهدفونهم للإغاثة، فالبُعد الإنسانِي أصبَحَ هو العامِل الأقوى الذي وحَّد طاقات التطوُّع الشبابيَّة في بوتقةٍ إنسانيَّة جامعةٍ واحدة.
وتأسيسًا على ما تقدَّم، يُمَثِّل البُعد الإنسانِي في العمَل التطوُّعِي؛ جوهَر فكرَة التطوُّع، فهو يتجاوَزُ النظرَة النفعية والدوافِع السياسيَّة، أو الاجتماعيَّة، أو الاقتصاديَّة إلى رحابَة المُنطلَق الإنسانِي، فالبُعد الإنسانِي في التطوُّع يُنظَر إليه أنَّهُ يخدِم المُتطوِّع ذاتَه بصِفتِهِ إنسانًا يحمِل غريزةَ فطريَّةً مُتأصِلَة فيه وهي غريزَة المساعدة والتنمية، كما أنَّه يخدِم المُستَحِق لتقدِيم الإحسان بالنظَر إلى إنسانيتِه وغَضِّ الطرف عن أيَّه عوامِل أُخرى (دينه، عرقه، العائد من المساعدة، إلخ). إنَّ البُعد الإنسانِي في العمَل التطوُّعي يتَّجِه نحوَ تمكِين الإنسانِ من إنسانيَّتِه، فهو يتجاوَزُ كُلَّ التحدِّيات السياسيَّة والاجتماعيَّة والدوليَّة والظواهِر الحاليَّة (كظاهرة العولمة وغيرها) إلى تحقيق هذا الهدّف النبيل المُستمَدّ من البُعدِ الديني المُنطلِق من تقدير وحِفظِ الكرامَةِ الإنسانيَّة، قال الله تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾.
{ إعلاميَّة وباحثة أكاديميَّة- جامعة قطر

خولة مرتضوي