كتاب وأراء

فَـــــــــمُ الـــــروح !

بقلم ـــ د. سعاد درير
كاتبة مغربية
هي السكتة الدماغية تَكتب نهاية شريط حياة إنسان كان كُلّ ذنبه أنه فنان، فنان هو خبرَ دهاليزَ العالم الكئيب الذي زُجَّ إليه به، فإذا بكل بطولاته التالية كانت تتمحور حول لوحات سوداء سوادا قاتما من فرط الرعب الذي زرعه فيها صاحبنا فرانسيسكو جويا.. Francisco de Goya
إنه مَوعد آخَر مع خنجر ألفَنّ الذي أبى إلا أن يَنتشل فرانسيسكو جويا من قلب أراغون بإسبانيا ليُلقي به في كهف العتمة تلك التي صَوَّرَت له من الْمَشاهد التي تَغيب عن الأذهان ما لا يتصوره عاقل إنسان..
إنها عجلة السديمية المنفلتة عن قبضة مكبح دراجتها الهوائية تلك التي لعبت بمزاج الفنان فرانسيسكو جويا لتُرَوِّضَه على أكثر من مناخ يتفق مع جَوِّه المتقلب، ولْنَقُلْ إنه المناخ السوداوي ذاك الذي شَكَّلَ تربة خصبة لبيئة الفنان الذي تنأى احتياجاته الروحية والنفسية عن معدَّل احتياجات أي إنسان..
فرانسيسكو جويا يُفَصِّلُ البطولة الفنية على مقاس اشتهاءات أشباحه ومَرَدَتِه الذين يُؤَثِّثُون عالَم الرعب الذي لا يختلف عن بئر سحيقة يُجْبِرُكَ هو الخَلَّاق للهلع الفني على أن تَتَعَثَّر قريبا منها ليستدرجك إلى أعماقها المخيفة تلك التي تترك الانطباع بسادية الفنان الذي يتلذذ بإلحاق الأذى بذائقتك الفنية ولو كان ذلك من باب التلقي لا الإبداع.
مع أننا نُسَلِّم دائما بأن عملية التلقي لا تختلف عن كتابة ثانية تتغير بتغير العين الرائية بحِسِّها الذَّوّاق، فإن ما يزيد احتمالات القراءة المشرعة على التعدد هو العالم المتشظي ذاك الذي ينتشل منه أفكارَه الفنانُ فرانسيسكو جويا.
لوحات ملغَّمة هي تستدرجك إلى ما هو أسوأ من الواقع الذي قد يَطيب لقَدَرِه بين الفينة والأخرى أن يُلَوِّنَه بألوان قوس قزح تلك التي تجدد إمكانيات انفتاح المستحيل على الممكن.
إنها مصيدة اللوحة تَدفعك دفعا إلى السقوط في غواية طُعمها، فإذا بها تتهيأ لك لتُبحر بعينيك في حُلم رهيب يجعل قارات المتناقضات تتلاقى عند مفترق رؤاك الحالفة ألا تُصَدِّق ما ترى.
صَدِّقْ يا صديق أيامي الحلوة والمرة أن مسافة الوصول إلى حَلِّ تشفير اللوحة المنتصبة انتصاب جِسر على بحر جهنم كثيرا ما ستَخذلك، لكنه الخذلان الذي سيُصيِّرُ قلبَك الأسيان عاجزا عن أن يقف على أرضية صلبة.
لوحات فرانسيسكو جويا لا تختلف عن كوابيس تَسرق منك لذة وصولك إلى مرحلة النوم العميق لتتخبط بك في عالَم بلا ملامح تُسعف في التقاط شفراتها، فما بالك من ثمة وأنتَ المجتهد كل الاجتهاد في البحث لها عن تفسير تقفز رعبا قُدَّامَه عيونُ الحقيقة.
من اللوحات الملكية التي التقطها فرانسيسكو جويا بجدارة وتفوق لكبار رموز العائلة الملكية بإسبانيا إلى منصب الرسام الرسمي لملك اسبانيا آنذاك، تتغير خطى فرانسيسكو غويا ليُلقي به العالَمُ الهائج برمال الحزن في النقطة الأبعد إلى الانعتاق من ليل الرؤية الحالك.
كان للثورة التي قادها نابوليون بِاسم الحرب تأثير عميق على تحول نظرة فرانسيسكو جويا إلى الأمور، من ثمة اكتست لوحاته المتزامنة مع تلك المرحلة طابعا وحشيا.
إنه الطابع الذي يجعل لوحات فرانسيسكو جويا ذات طَعم ونكهة أقرب ما تَكون إلى نكهة من يسبح في ساحة الوغى تلك التي يُنْبِتُ فيها القمعُ المزيدَ من السلاسل والقيود التي تُسَوِّر غابةَ الهمجية رغم المقاوَمة التي تَلفظ أنفاسها الأخيرة.
تفوَّقَ فرانسيسكو جويا كعادته في تصوير شيء من مشاهد الحرب على طريقته التي لا ينقصها الإبداع والإتقان، غير أن الكلمة الأخيرة لريشته كانت للرمزية التي من خلالها حاولَ صاحبُنا أن يرسم لنا صورة العالَم كما يَراه هو لا كما يراه الآخَرون.
عناوين حزينة وسمَتْ محطات حياة فرانسيسكو جويا، من أبرزها كان محطة تسممه التي جَرَّتْهُ إلى الإصابة بالصَّمم بعد فترة صحية حرجة أطالَتْ رَقْدَتَه على فِراش المرض الذي هدَّدَه بالموت الذي لم ينجُ منه إلا بأعجوبة.
المرض، والهذيان، والعنف، والقُبح، والحرب، والغَزْو، والغضب، والجنون، والشياطين، والْمَرَدة، والأشباح، والرهبة، والرغبة في امتصاص الحياة، والخيال الأبشع من الحقيقة، والكابوس الأسود من ليلٍ أَلْيَل، هذه وغيرها أَهَمّ «التيمات» التي اشتغل عليها فرانسيسكو جويا في لوحاته التشكيلية ليعكس نزعته الفنية إلى المطالبة بالانعتاق في ظل حمى النفس التواقة إلى الهروب بعيدا عن مصير يصعب ألفِرار منه.
إنه غياب السلام الذي يَفتقده الأنام أكثر من افتقادهم للأنفاس، لذلك ما أكثر أن ينادي بالسلام فرانسيسكو جويا من خلال تجسيده لكل وجوه الحرب ومظاهر البشاعة التي تُغَيِّب الإحساس بالأمان والسلم.
تلك هي كآبة العالَم التي حَكَمَت على فرانسيسكو جويا بكآبة تُسِيل دماءَ روحِه وتعبث بسلامه النفسي في ظل حقائق لم يَستسغها هو ولم يتقبَّلها، ولذلك كانت أشبه بألسنة الثعابين التي تتمدد وتمتد إليه لتنفث سمها في فَم الروح.
هذه هي فَم روح فرانسيسكو جويا التي لم ينجح أيّ تقدير فني من جهة الأسرة الإسبانية المالكة ولا المشرفين على المتاحف المحتفية بنوادر فنه في إسكات صوته إلى المناداة بالسلام.
قد يُتَّهَم فرانسيسكو جويا بالجنون بحكم أنه بالغ في تصوير ما يمكن أن نطلق عليه حالات من الهلوسة التي لا يَقبلها عقل ولا منطق، لكن لماذا لا نَقول إنه الجنون الإبداعي ذلك الذي يُعلن توهج الحواس في ظِلّ فَوضاها الخلاَّقة من أجل إعادة ترتيب العالَم كما يَتَبَصَّر به العرَّافون المبدعون؟!
لِنُصَدِّقْ أن لوحات فرانسيسكو جويا المرعبة إنما يحاول فيها صاحبها أن ينبئنا باستحالة أن نَقوى على أن نلتمس شيئا من الضوء عند اشتعال جمرة الليل تلك التي تعمي العيون.
مع كل هذا، فإن ثمة سرّ الأسرار الذي لا يَعرفه إلا الرسّام باقتدار، لذلك فمن المؤكَّد أن فوهة مدفع الحقيقة في رسوم فرانسيسكو جويا قد تأذن لها الأيام التالية على امتداد أزمنة بالبوح بما لا يَبوح به سِوى الفن الذي تجسده ريشة ماهرة هاربة من زمن فرانسيسكو جويا.

سعاد درير