كتاب وأراء

الماضي «المقدس» والحاضر «المدنس»

«أليس بيني وبين الجنة سوى هذه التميرات» فقذف بها وذهب ليقاتل وقتل شهيدا عُمير بن الحمام »أبا حنيفة كان يصلي الصبح بوضوء العشاء أربعين عاما». »كانت الملائكة تسلم على عمران بن حصين» «سُفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر الاسد بأنه رسول رسول الله فمشى معه الأسد حتى أوصله».
هذا السقف المرتفع جدا من النظر إلى الماضي الذي يردده كثير  من الأئمة والوعاظ وغير ذلك كثير جدا من القصص والامثلة ذات السقف المرتفع التي تجعل من الحاضر  لا يرتقى ولا يستحق أن يعاش، له دور سلبي كبير على عقول النشء الحاضر بحيث يصبح طوبائيا  فوق جميع الظروف  وإمكانيات العيش، التجربة الإنسانية تقول لا يوجد مجتمع إنساني مثالي. مفهوم الرشد المستمد من فترة الإسلام الأولى أصبح مرادفا لمفهوم المثالية القصوى  وأصبح بالتالي ملاصقا  لكل من عاش في الاربعين سنة الأولى من الدعوة، مع أنه كان هناك كثير من السلبيات حتى أن الخليفة الثاني  عمر بن الخطاب استصدر عقوبات جديدة لمواجهة  مشاكل مجتمع البشر   كاستحداث السجون. مقاربة النشء بهذا السقف العالي جدا، يضعهم في حيرة مع حاضرهم  بل مع حياتهم ويسهل  استجذابهم لأجندات  طوبائية  توافقا مع ما يسمعونه ويتكرر على آذانهم ومسامعهم، التطرف هو الفجوة بين سقف من التوقعات  بين ما يُسمع   وما يُعاش واقعيا.
أتمنى على وعاظنا وأئمة مساجدنا الكرام أن لا يرفعوا سقف التوقعات من الماضي بقدر ما يلامسون  مصاعب الحاضر، أتمنى منهم أن لا يلقوا بالأمثلة على عواهنها  حتى اصبح النشء يحفظ من الصور المتخيلة أكثر مما يحفظه من كتاب الله، أتمنى منهم أن يراعوا الحاضر، ويجعلوا فهم الماضي انطلاقا من هذا الحاضر وليس العكس، هذا النزف الشبابي الذي نلاحظه  سببه  سقف الماضي المرتفع  أمام حاضر بائس، هذا النزف الذي نعاني منه  سببه تجريد الحاضر من القيمة والحياة من الاستحقاق، هذا النزف الذي نعاني منه سببه  صور ذهنية  أكثر منها واقع متحقق في الزمان. لا يمكن  أن نعيش حاضرنا قياسا على ماضينا  لا يمكن لأمة أن تستمر بمثل هذه العقلية  ستفنى في ماضيها  وهي على قيد الحاضر، وهذا ما نفعله بأنفسنا، ابتعدوا عن شيوخ  الاستغراق في الماضي  وعيشوا  الحاضر بإرادته وفي سياقه وما تمليه شروطه كمسلمين أبناء لهذا الحاضر المتطور، ولا تخافوا  فالنص الإلهي مورد لا ينضب وإن  قل الوراد،  ومن يستسقي فالزمن يحمل في طياته  سرمدية الإله وسرمدية دينه.

عبدالعزيز محمد الخاطر