كتاب وأراء

أوروبا في مواجهة الأزمة

بالرغم من التطور العلمي الكبير الذي شهدته أوروبا في كل المجالات وخاصة منها الطبية والعلمية فإنها تقف اليوم شبه عاجزة عن مواجهة خطر الفيروس الجديد.
فبعد أن انتشر الفيروس بشكل كبير في إيطاليا التي تحولت إلى بؤرة لتصدير المرض أعلنت ألمانيا وفرنسا وإسبانيا عن ارتفاع مفاجئ لعدد المصابين وهو ما يؤشر على أنها مقبلة على نفس المشهد الإيطالي الذي حكم على البلاد بالدخول في حالة الحجر الصحي.
لا تقتصر المخاوف في هذا الإطار على المستوى الصحي الصرف بل تتعداها إلى استتباعات ذلك على الاقتصاد وخاصة على الأسواق المالية التي تعتبر المقياس الحقيقي للنمو. هذا الوضع الخطير يمكن أن يُغرق أوروبا في أزمة خانقة تشبه الأزمة التي عرفتها في 2008 وربما أخطر من ذلك بكثير.
انتهجت الدول الأوروبية سياسة الصمت في الأيام الأولى لانتشار المرض ولم تأخذ التهديد الوبائي على محمل الجدّ بسبب الخوف مما قد تؤدي إليه حالة الهلع من تبعات اقتصادية وما قد تسببه من خسائر كبيرة. هذا الأمر هو الذي حصل في إيطاليا تحديدا عندما قلل المسؤولون من خطورة التهديد عند ظهور أول الحالات معتبرين إياها حالات لا تختلف عن الأنفلونزا الموسمية وهو ما أدى إلى تفاقم الوضع الذي تعيشه إيطاليا اليوم.
تستفيق أوروبا على حجم الكارثة وهي التي يعتمد اقتصادها على النمط الاستهلاكي الذي يستوجب حركة المستهلكين وحركة السلع وتنقل البضائع. لكن في المقابل تنشط المخابر الطبية من جهة أولى من أجل الإسراع بإيجاد لقاح فعال ضد الفيروس قد يحد من حالة الهلع التي أصابت المواطنين ويُخرج القارة العجوز من العزلة التي بدأت تفرض عليها. ومن جهة أخرى تتحرك الدول الأوروبية بشكل منفرد من أجل منع انتشار العدوى عبر إجراءات وقائية صارمة قد تسمح بتطويق المرض والحدّ من انتشاره السريع.
بقطع النظر عن الحالة العالمية لما يمكن تسميته وباء مفاجئا فإن أسئلة كثيرة تطرح اليوم أمام المجتمع الدولي وخاصة منها منظمة الصحة العالمية حول طبيعة هذه الأخطار العابرة للحدود والتي يمكنها بسرعة كبيرة أن تهدد سلامة الشعوب والمجتمعات. إنّ فشل المنظمات الدولية في احتواء المرض منذ أيامه الأولى يعيد التساؤل عن طبيعة النظام الرأسمالي العالمي نفسه وهو الذي يضع منطق الربح المادي والمكسب الاقتصادي قبل صحة الإنسان وسلامته الجسدية. أزمة الفيروس المستجدّ درس هام للمجتمع الدولي من أجل إعادة بناء منظومة السلامة الصحية وتوفير الإمكانيات الضرورية لمواجهة أزمات مماثلة.
بقلم: محمد هنيد

محمد هنيد