كتاب وأراء

الواقع السوري والتطورات الراهنة.. من يبع «القضية» يقبض الهواء

يبدو أننا، نحن السوريين، لم يعد أحد يحسبنا من سكان الكوكب الأرضي، ويبدو أننا بتنا غير موجودين وغير مرئيين إلا بالاسم، اذ ثمة من يقرر مصير بلادنا عنا، وثمة من يقرر شكل مستقبل أبنائنا عنا، وثمة من يتخذ القرارات الخاصة بنا بدلا منا، وثمة من يفاوض باسمنا ويعقد الاجتماعات ويضع الخطط ويصدر الأوامر ويخاطب المجتمع الدولي ويضعه تحت الأمر الواقع بكل ما يتعلق بالأرض السورية وبالسوريين، دون أن يكون هناك أي وجود لأي سوري، لا من طرف النظام ولا من طرف المعارضة،
الطرفان السوريان غائبان تماما عن الحدث السوري، أو مغيبان إلى درجة الإهانة، وهذه سابقة لم تحدث ربما في التاريخ البشري: أن يغيب أبناء البلد المتنازعون عن مفاوضات تتعلق ببلدهم!، هل هناك إهانة لكينونة السوري أكثر من هذه الإهانة؟!.
مهما كانت نتيجة المفاوضات والاجتماعات، وأيا كان من يعقدها ويشارك بها، هذا ليس مهما، المهم هو: إن السوريين غائبون تماما عن قضيتهم الأساسية والكبرى في المفاوضات الدولية، والسوريون المقصودون هنا هم مؤسسات النظام والمعارضة معا، كهيئات أولا، تقدم نفسها للسوريين بوصفها قائدة لهم، كدولة بما يخص النظام، وكثورة على النظام بما يخص المعارضة، وكأفراد أعضاء في هذه الهيئات، كان يمكن لأحدهم أن يكون على قدر مسؤولية الكارثة السورية الكبرى ويثبت حضوره كسوري في المجتمع الدولي ومفاوضاته حول الأزمة السورية.
ورغم أنه بات واضحا، منذ تسع سنوات خلت وحتى الآن، أن ثمة تصميما وإرادة دولية تهدف إلى القضاء على الثورة السورية، وربما الربيع العربي برمته، كما تهدف إلى المحافظة على نظام الأسد باعتباره مناسبا للرؤية السياسية الدولية وما تريده لمنطقة الشرق الأوسط من امتيازات تتنازعها الدول الكبرى، ورغم أن الدور الإقليمي والدولي في القضاء على الثورة وتفكيك مجتمعها وتشريد شعبها لا يمكن التغاضي عنه بحال من الأحوال، ولا يمكن لأحد تبريره تحت أية ذريعة، إلا أن المسؤولية الأكبر تقع على السوريين فيما وصل إليه حالهم من مذلة واستصغار ودونية مهينة، فالنظام الذي يقتل شعبه بوحشية غير مسبوقة، ويحول جيشه الوطني إلى ميليشات تمتهن القتل والتعفيش، ويستعين بمرتزقة وبدول أخرى لتساعده في الفتك بشعبه مقابل امتيازات لاستثمار ثروات ومستقبل البلد، لا يمكن أن يتم التعامل معه باحترام، أو النظر إليه كشريك وحليف وند، سوف يعامل بوصفه قاصرا يحتاج إلى وصاية، وهذا بالضبط حال النظام السوري الذي أفقد الدولة السورية كل مقوماتها كدولة مستقلة وذات سيادة.
ولا يختلف الأمر بما يخص مؤسسات المعارضة التي كانت أقل بكثير من مستوى الثورة التي كان يمكن لها ان تكون أعظم ثورات التاريخ الحديث، لولا أنها نكبت بقيادات حولت الثورة من ثورة شعب يسعى إلى التغيير الديمقراطي والعدالة والمساواة، إلى ثورة ذات خطاب لا يمت للوطنية بأي صلة، ورهن الثورة إلى أجندات دولية وإقليمية، وباع تضحيات السوريين في سوق السياسة وبازار المصالح، دون أدنى إحساس بالمسؤولية عن مشاركة النظام في تدمير الكينونة السورية وبنية المجتمع السوري، ودون أي اعتراف بالفشل ومن ثم محاولة الانسحاب وتسليم الثورة إلى كوادر شبابية غير مؤدلجة لا حزبيا ولا دينيا، وتعلمت الكثير من تجارب الدول الحديثة والمتقدمة وهو ما عجزت عنه الإنتلجنسيا السورية المصرة على الأبد مثلها مثل النظام، هذه القيادات بفشلها ولا وطنيتها واستهتارها بقيم الثورة لا يمكن للمجتمع الدولي أن يرى بها شريكا وندا، أو حتى بديلا عن النظام، فمادام الطرفان مستعدان للبيع فإن الشاري سيفضل التعامل مع الطرف الذي يعرفه جيدا.
الدول ليست جمعيات خيرية، والسياسة لا مكان فيها للثوابت والأخلاق، الدول الحقيقية تلعب بالسياسة بما يخدم مصالحها ومصالح شعوبها واستثماراتها الاقتصادية والعسكرية، وهي ليست مسؤولة عن خيانات الحكام ومعارضيهم لأوطانهم وقضاياهم، الإمعان في انتقاد هذه الدول وتحميلها المسؤولية عن كارثتنا لا معنى له سوى إبعاد النظر عن مسؤوليتنا الشخصية كسوريين عن مأساتنا، وسوى محاولات لتبرئة النظام والمعارضة من قبل الدوائر المحيطة بهما من مسؤوليتهما عن التجاهل والاستعلاء الذي يعاملهما به المجتمع الدولي، فمن يبع وطنه أو قضيته سوف يقبض الهواء.
بقلم: رشا عمران

رشا عمران