كتاب وأراء

كــثــيــراً مــا نــقــرأ

• «إن من الكياسة أن تفعل كذا»، كثيراً ما نقرأ مثل هذا القول، وقد قرأته مرات في مقالات سياسية، وتذكرت أن بعض العاميات تقول «كويس» (الكاف ساكنة والياء مشددة ومكسورة) ويعنون به الحسن أو الجميل، فما أصل هذا؟
الكيْس: الخفة والتوقد، وهو كيْس وكيـِّس، والجمع أكياس، ووردت الكلمة في أحاديث شريفة عدة، منها: «وكان كيْس الفعل» أي حسنه، و«الكيـِّـس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت» أي العاقل و«أي المؤمنين أكيس» أي أعقل، و«المؤمن كيـِّـس فطن» و«أن ترد الماء بماء أكيس» أي أحكم. والكِياسة مصدر، وتعني الذكاء والتعقل، فهل من الضروري استخدامها في كتاباتنا الآن؟ ألا نستطيع القول: إن من الحكمة والتعقل أن تفعل كذا؟
«وصعَّر خده» نفهم من هذا أنه أظهر القسوة والتكبر والخيلاء، ولكن ما معناها؟
الصعَر: ميل في الوجه، وقيل في الخد خاصة، وهو في الأصل داء يصيب البعير فيلوي عنقه ويميله، واستعير هذا للإنسان فقالوا: صعر خده، أي أماله من الكبر، قال المتلمس:
وكنا إذا الجبار صعر خده أقمنا له من درئه فتقوما
وفي القرآن الكريم «ولا تصعر خدك للناس» ومعناه الإعراض تكبراً، ونقف طويلاً عند قوله تعالى في سورة لقمان «ولا تصعر خدك للناس ولا تمشِ في الأرض مرحاً إن الله لا يحب كل مختال فخور» ويفسر بعض الآية الكريمة بعضها الآخر، فقد علمنا معنى «يصعر خده» ونعرف معنى «المختال الفخور» فما معنى «مرحاً»؟
المرح في الأصل شدة الفرح والنشاط حتى يجاوز قدره، أي إن الفرح والمرح ليسا متساويين، وقيل: المرح التبختر والاختيالُ. قال تعالى في سورة غافر «ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون» وبالمناسبة: نقول لمن أحسن عملاً «مرحى» والأصل فيها إذا رمى الرجل فأَصاب قيل: مَرْحَى له، وهو تعجب من جَوْدة رميه.
كثيراً ما نقرأ «ولخص الأمر كله بجملتين» ونقرأ أيضاً «هذا ملخص الموضوع» وكثيراً ما نقرأ «وخلاصة المسألة أنه...» ونقرأ أيضاً «أوجز كلامك فالبلاغة في الإيجاز» وكثيراً ما نقرأ «اختصر هذا المقال، وهذا طريق مختصر» وقد يشتبه الأمر على بعضنا، ويظنون بعض هذه المصطلحات مرادفاً لبعضها الآخر، فما علاقة هذه الكلمات بعضها ببعض؟
التلخيص في الأصل الشرح والتبيين والتقريب والاختصار، يقال: لخّصت القول: أي اختصرت منه ما يُحتاج إليه، ويقال: هذا ملخص ما قالوه، أي حاصله وما يؤول إليه، وهنا يتداخل الفعل مع فعل أوجز، ومع حصل ومنه المصدر «الحصيلة».
ولكن التلخيص ليس الخلاصة، لأن الأصل فيها الخِلاص والخِلاصة والخُلاصة، وهو ما خلص من السمن إذا طـُبخ، ذلك أنهم كانوا إذا طبخوا الزبد ليتخذوه سمناً ألقوا فيه شيئاً من سويق أو تمر، فإذا جاد وخلص من الثفل فذاك السمن هو الخِلاص والخلاصة، وكان الفلاحون حتى أواسط القرن العشرين يلقون فيه شيئاً من «البرغل» ليمتص منه الماء.
أما الاختصار فأصله في الطريق، ثم استعمل في الكلام، وقد فرقوا بين الاختصار والإيجاز، والاختصار في الكلام أن يدع الزوائد ويستوجز الذي يأتي على المعنى، والإيجاز تحرير المعنى بلفظ يسير.
وكثيراً ما نقرأ: وتجشم عناء السفر، والعناء هو التعب، ونفهم من القول أنه تحمل المشقة. وقرأت لأحد الكتاب في صحيفة مشهورة عند حديثه عن أحد الظرفاء أنه تلقى منه دعوة لحضور حفلة وفي ذيلها «يرجى مراجعة صفحة الوفيات قبل التجشم لحضور الحفلة» ربما كان الداعي قد مات. وقد أخطأ في ترجمة البطاقة (إن كان حقاً قد تلقاها)..
الأصل في هذا جَشِمَ الأمر وتجشَّمه: تكلفه على كره ومشقة، وجشمني: كلفني، لكن صاحبنا أخطأ حين عامل المصدر (وبالتالي الفعل) على أنه لازم، وبالتالي يصير الكلام بلا معنى، تجشم ماذا؟ وكان عليه أن يوضح الأمر بأن يقول: قبل تجشم عناء حضور الحفلة.
يمتاز أحد الكتاب في صحيفة الشرق الأوسط بخفة الدم، ومن الكلمات التي ترد كثيراً في كتاباته «وكان لي القدح المعلا» وهذا خطأ، لأن «المعلى» بالألف المقصورة وليس بالألف الممدودة، نقول: علـَّـيتُه فهو مُعلى» وكثيراً ما نقرأ هذا التعبير في الكتب القديمة في مجال المدح «وكان له القدح المعلى» والإشكال في كيفية قراءة كلمة «القدح» فإن قرأناها بفتحتين فهي الآنية المعروفة والجمع أقداح، ولكنها هنا بكسر فسكون «القِدْح» وهو العود يشذب قبل أن يركب النصل في رأسه والريش في آخره ليصير سهماً.
كثيراً ما نقرأ «وكان لين العريكة» ويعنون بذلك أنه «مسالم». والعريكة: الطبيعة، ويقال: لانت عريكته إذا انكسرت نخوته، وأرى في هذا مبالغة غير صحيحة، وفي صفته، صلى الله عليه وسلم: أصدق الناس لهجة وألينهم عريكة، وحاشاه أن يكون قد انكسرت نخوته، ويقال: فلان لين العريكة إذا كان سَلِساً مطاوعاً منْقاداً قليل الخلاف والنّفُور. ورجل لين العَرِيكة أي ليّن الخلق سلسه.
كثيراً ما نقرأ: وضربه ضرباً مبرِّحاً، حتى إن عادل إمام استخدم هذا المصطلح في إحدى مسرحياته للإضحاك وأضاف إليه «حتى يستغيث» لأنه كان يتحدث عن البيض المخفوق بالخلّاط، وفي قصص العشق القديمة نقرأ كثيراً: وبرَّح به الشوق فامتطى ناقته وقصد ديار الحبيبة، فمن أين أتى هذا الوصف؟
برَّح بنا فلان وأبرح، فهو مبرِحٌ ومبرِّح: آذانا بإلحاح المشقة، والاسم البرْح والتبريح، وضربه ضرباً مبرِّحاً أي شديداً، وتباريح الشوق: توهجه، والأصل في هذا كله من الجذر «البرح» وبرح الرجل إذا زال عن موضعه، وما برح يفعل كذا، أي ما زال يفعله، وبرِح الأرض فارقها، وفي كتاب الـلـه الكريم في سورة يوسف «فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي» وفي سورة الكهف «لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين» وفي سورة طه «قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى» أي لن نزال. ومنه البراح: الظهور والبيان.
وكثيراً ما نقرأ في الكتب القديمة «وجلسوا كأن على رؤوسهم الطير، لا ينبس أحد منهم ببنت شفة» أما الجزء الثاني فنفهم منه أنهم كانوا صامتين، لا ينطق أحد منهم بكلمة «بنت شفة» فماذا عن الجزء الأول؟
والطير هنا لا تعني المفرد، بل هي اسم للجنس أو الجمع، ولا يدل هذا التشبيه على الصمت وحده، بل يدل على السكينة والوقار، فكأن على رؤوسهم طيوراً فيخافون إن تكلموا أن تطير، والقول «كأن على رؤوسهم الطير» مثل عربي يضرب للساكن الوادع. وفي صفة مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا تكلم أطرق جلساؤه كأن على رؤوسهم الطير، والطير لا تسقط إلا على ساكن. وقيل إن أصله أن النبي سليمان عليه السلام، كان يجلس هو وأصحابه، ويقول للطير: أظلينا، ويستشعر أصحابه السكون والسكوت، فشبهوا بجلساء سليمان الذين لا يتحركون، والطير تظلهم من فوق رؤوسهم.
بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين