كتاب وأراء

سوريا.. صراع العالم في دولة! «2-2»

هناك عمليات الإعمار والتي تقدر بمئات المليارات من الدولارات بعد أن تضع الحرب أوزراها عند تفاهم جميع الأطراف المؤثرة والداعمة لأدوات تلك الحرب على الأرض.
وهناك روسيا التي لن تقبل بأي حال من الأحوال خروجها من منطقة نفوذها وتواجدها الوحيدة في منطقة المتوسط والشرق الأوسط والتي تضمن لها ناهيك عن التواجد العسكري والنفوذ السياسي مكاسب اقتصادية ضخمة، فهناك تجربة منتجاتها من مختلف أنواع الأسلحة على الشعب السوري في ميدان مفتوح وهو ما أدى لارتفاع مبيعات الأسلحة الروسية حول العالم في العقد الأخير ونصيبها من عقود الإعمار والاقتصاد السوري وورقة هامة في علاقاتها مع إسرائيل من حيث ضمان ضبط الجبهة السورية المتاخمة لها وعدم انفلاتها أو تحولها لنقطة انطلاق لأي تهديد لدولة الاحتلال في ظل اعتماد نظام الأسد شبه الكامل على الغطاء السياسي الروسي خصوصًا في مجلس الأمن مما يمنع أي تحرك دولي ضده بغطاء أممي، وتتناغم مع موقفها هذا الصين التي استخدمت الفيتو عدة مرات لصالح النظام السوري، وتكتفي الصين بموقف المتفرج في انتظار ما بعد الحرب للدخول بقوة اقتصاديًا، فالسياسة الصينية في المنطقة يصفها الخبراء بالوزن الثقيل في الاقتصاد والخفيف في المجال السياسي ووزن الريشة في الشق العسكري، وإن كانت يمكن حسابها إلى جانب النظام مراعاة لعلاقاتها الوثيقة واستثماراتها الكبيرة مع إيران خصوصا في مجال الطاقة ومصالحها الضخمة في العراق.
الولايات المتحدة الأميركية جل ما يهمها داخل سوريا هي مناطق النفط والغاز والتخلص من تنظيم داعش والعلاقات مع التنظيمات الكردية بما يسمح بتأمين التواجد الأميركي في سوريا والعراق واستخدام تلك العلاقات كورقة هامة في الموازنة بين العلاقات مع تركيا والنزاع مع روسيا، وفي نفس الوقت اقتصار التواجد العسكري على الأرض لحماية المناطق النفطية من جهة وتقليل الأهداف الأميركية التي قد تستهدفها هجمات من أطراف معادية من جهة أخرى.
يفتقد الاتحاد الأوروبي حتى يومنا هذا إلى رؤية موحدة بخصوص المسألة السورية ويركز على المساعدات الإنسانية في الصراع واستخدم النفوذ السياسي بهدف إيجاد حل سياسي، والأحداث المتلاحقة أثبتت أن الاتحاد الأوروبي لا يؤدي سوى دور ثانوي في الشرق الأوسط بشكل عام ويتصرف كوسيط بعيد، وأيضًا استمرار الصراع الدائر في سوريا يمثل فرصة لأوروبا تتخلص بها من الجماعات الإسلامية المتشددة منها والمعتدلة وبقائها منشغلة والخوف من قيام الموالين لنظام الأسد والمقيمين على أراضيها بعمليات إرهابية انتقامية لو قام الاتحاد الأوروبي بالتدخل عسكريًا ضد النظام السوري والفائدة الاقتصادية من دمج اللاجئين السوريين في القطاع الاقتصادي بكافة مجالاته كعمالة منخفضة الأجر.
تركيا وهي الجار الملاصق لسوريا والمتأثر الأكبر بكل ما يجري على أراضيها من حيث الامتدادات المرتبطة بحزب العمال الكردستاني الـPKK والذي تدرجه تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على لوائح المنظمات الإرهابية وعدم القدرة على استيعاب المزيد من اللاجئين مما يعني حتمية إقامة منطقة عازلة داخل الأراضي السورية ليحتمي بها المدنيين النازحين والهاربين من بطش وإجرام النظام السوري وحلفائه، وتأمين تركيا لحدودها بعدم السماح بالاستقرار والتمكين لأي من الفصائل الكردية الانفصالية على جانبي الحدود والتي تدعمها دول إقليمية وغربية نكاية في تركيا، وفي نفس الوقت توجد لديها صعوبة الموازنة بين دعمها للثورة السورية وتأثيره على الوضع الداخلي والخارجي بشقيه الاقتصادي والسياسي ناهيك عن العسكري من جهة وعلاقاتها مع أوروبا وأميركا من جهة ثانية وتفاهماتها مع روسيا وإيران من جهة ثالثة والأطراف الإقليمية المتربصة بها من جهة رابعة.
وعليه يمكن القول إن الساحة السورية بكل ما يجري فيها من أحداث والمؤثرين والمحركين لتلك الأحداث هم بمثابة أطراف في صراع عالمي تدور رحاه على أراضيها، ومهما كانت نتيجته فبكل تأكيد من دفع الثمن الأكبر هو الشعب السوري والدول والأطراف التي وقفت بجانبه وساندت ثورته منذ البداية.
بقلم: جمال الهواري

جمال الهواري