كتاب وأراء

تركيا تغيّر موازين القوى «1-2»

عملية «درع الربيع» التي تقودها تركيا على الأراضي السورية هي آخر فصول الحضور التركي في المنطقة بعد التدخل الأخير في ليبيا مع تقدم قوات حفتر مهددا العاصمة طرابلس، تركيا دولة واقعة على الحدود البرية السورية وهي كذلك على الحدود البحرية الليبية في الجهة الجنوبية للمتوسط، إضافة إلى هذا التماس الجغرافي فإن التاريخ المشترك بين الأتراك والعرب قد امتد إلى قرون قبل الإمبراطورية العثمانية وبعدها وهو ما يجعل من هذه الخصائص عناصر أساسية لفهم الحضور التركي وتأويله في المنطقة اليوم.
تعود تركيا اليوم -بعد إفشال الانقلاب الذي استهدف نظام الرئيس رجب طيب أردوغان- أقوى مما كانت عليه بعد القفزة الاقتصادية والصناعية التي حققتها خلال العقدين الأخيرة بشكل خاص. كما طورت تركيا صناعاتها الحربية والعسكرية وأسست لأذرع اقتصادية وصناعية صلبة قادرة على إسناد حضورها الدولي ودعمه بشكل كبير.
لم تساند تركيا الانقلابات على الثورات العربية، ولم تتورط في بث الفوضى في جوارها الإقليمي رغم حدودها المباشرة مع سوريا بل كانت أول ضحايا الثورة السورية سواء من خلال العمليات الإرهابية التي استهدفت الأراضي التركية، أو من خلال أمواج اللاجئين الذين استقبلتهم بالملايين.
رغم التدخل المتأخر نوعا ما للفاعل التركي فإنّ الثابت الأكيد هو أنه تدخل قلب موازين القوى وألغى كثيرا من الحسابات الاقليمية والدولية.
بعد إفشال الانقلاب في تركيا ومساهمتها في كسر محاولة النيل نظام الحكم في قطر عبر الحصار الجائر تحركت أنقرة في اتجاه منع خنقها من قبل القوى الدولية التي تتحرك في ليبيا وسوريا والعراق وفي حوض المتوسط.
اليوم تحقق القوات التركية تقدما كبيرا في سوريا مواجِهةً خذلان القوى الأوروبية والغربية عامة ممثلة في حلف الناتو ومواجهة محاولات روسيا إرباك الأتراك وتوريطهم في المستنقع السوري عبر مناورات تكتيكية وعسكرية. هذا الحضور التركي القوي في المنطقة أعاد ترتيب الحسابات سواء منها ما تعلق بحسابات الأنظمة الانقلابية العربية وداعميهم أو حسابات القوى الأوروبية التي تحاول تجديد قبضتها مشرقا.
(يتبع)
بقلم: محمد هنيد

محمد هنيد