كتاب وأراء

كرمته فرنسا ومنحته «وسام الاستحقاق الوطني» أمين معلوف.. والوطن الحقيقي

لم يولد الكاتب اللبناني الشهير أمين معلوف في فرنسا، ولم ينشأ فيها في طفولته، بل ولد في لبنان وعاش فيه وعمل في صحافته مستخدما لغته العربية التي يتكلمها الجميع في بلادنا، ثم انتقل إلى فرنسا إبان الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، وله من العمر ستة وعشرون عاما، وحين استقر في فرنسا كتب أول كتبه: «الحروب الصليبية كما رآها الغرب»، باللغة الفرنسية التي كان يتقنها قبل انتقاله إلى فرنسا، وأتبعها برواية (ليون الإفريقي) التي ترجمت إلى لغات عدة، منها العربية طبعا، ومعها أيضا بدأت شهرته كروائي لبناني يكتب بالفرنسية، ومع كل رواية تصدر له كان اسم أمين معلوف يلمع عالميا ويحقق انتشارا واسعا جعله واحدا من أشهر روائيي العالم المعاصرين، بحيث صار اسمه لا يرفق بأي جنسية إلا في السيرة الذاتية، حيث يقال إنه كاتب فرنسي من أصل لبناني، بعد أن حصل، مستحقا على الجنسية الفرنسية.
قبل أيام كرمت فرنسا، في شخص رئيسها ماكرون، الروائي أمين معلوف، ومنحته وسام الاستحقاق الوطني، في احتفال مهيب أقيم في العاصمة الفرنسية، وهو أحد أرفع الأوسمة الفرنسية الذي تم منحه عبر التاريخ الفرنسي إلى العديد من الشخصيات التي أثرت الحياة الثقافية والفنية والفكرية والسياسية في فرنسا، واللافت أن ثمة العديد من تلك الشخصيات من أصول غير فرنسية، وحصلت على الجنسية الفرنسية لاحقا، إذ يكفي في فرنسا أن تتقن اللغة الفرنسية وتنخرط في سوق العمل، مؤديا ما عليك من واجبات مالية وإدارية حتى تحصل على الجنسية، وتعامل كمواطن فرنسي يتمتع بكامل الحقوق التي يتمتع بها فرنسيو الأصل.
في كتابه الشهير «الهويات القاتلة» صدر عام 1998، وهو مجموعة من المقالات السياسية رصد فيها معلوف عبر مرحلة من الزمن العلاقة بين الانتماء والعولمة، منطلقا من الحرب الأهلية اللبنانية التي عرت الهوية الفردية والجمعية للبنانيين، ليصبح الانتماء إلى هوية ما «قبل الوطنية والإنسانية» هو انتماء قاتل، سواء أكان إلى دين أو طائفة أو حزب أو منطقة، إلى آخر الانتماءات التي قسمت اللبنانيين وجعلت منهم قتلة وقتلى في الآن نفسه، في حروب مجنونة مازال لبنان يدفع ثمنها حتى اللحظة، حروب لا تهدف إلى شيء سوى تحقيق الهوية التي تدفع إلى القتل ونفي الآخرين، وهكذا تبدأ سلسلة القتل لتتحول الهويات كلها إلى هويات قاتلة بينما يكمن الحل في الهوية الوطنية التي تتحقق في ظل سيادة القانون والدولة المدنية التي تحفظ حقوق الجميع وتحمي معتقداتهم وهوياتهم الصغيرة في ظل الهوية الوطنية الأولى، بحيث لا يعود مبررا الحديث عن جماعة الذئب المفترس وجماعة الضحية، إذ في ظل الدولة المدنية المحمية بالقانون لا وجود للجماعات بل لمواطنين متساوي الحقوق والواجبات!
حسنا فعل أمين معلوف باختياره فرنسا وطنا له، إذ يثبت التاريخ يوما بعد يوم أن بلاد المشرق العربي، وبلاد الشام تحديدا،هي فعلا «بلاد الهويات القاتلة»، حيث تنعدم كل يوم الهوية الوطنية الجامعة لصالح الهويات الصغيرة ما دون الوطنية، وحيث الوطن هو «شخص الزعيم»، زعيم الطائفة أو الحزب أو العشيرة، وحيث على الجميع أن يكونوا متشابهين ويمشون في ذات النسق، حيث لا ميزة للمبدعين أو البارزين في مجالاتهم، بل ربما يتم السعي للقضاء على هذا التميز والتفرد، إذ تأصل في اللاوعي الجمعي للجماعات التي تعيش في هذه البقعة من العالم، أن لا فرادة سوى للزعيم، ولهذا حين يختلف الزعماء يتطوع مريدوهم للقتال والموت بدلا عنهم، هكذا تحدث الحروب الأهلية في بلاد ليس للقانون فيها أية سلطة أعلى من سلطة الزعيم/ الزعماء. يكتب أحد الأصدقاء في معرض تعليقه على منح الرئيس ماكرون وسام الاستحقاق الوطني الفرنسي للروائي أمين معلوف: «لو أن أمين معلوف في سوريا لكان الرئيس السوري اليوم يقلده وسام الإعدام الوطني»، يعلق صديق آخر: «لو بقي أمين معلوف في لبنان لربما كان اليوم يمنح وسام الاستحقاق الطائفي من زعيم طائفته»!.. لا أحد يدري إن كان أمين معلوف يقرأ تعليقات كهذه على وسائل التواصل الاجتماعي، ولكن المؤكد أنه يدرك جيدا بؤس حالنا، وأكاد أجزم أنه لا يشعر بالندم مطلقا على اختياره وطنا حقيقيا يعرف كيف يحتفي به.
بقلم: رشا عمران

رشا عمران