كتاب وأراء

الأخلاقيَّات التطبيقيَّة في البيئة الإعلاميَّة

خولة مرتضوي
شاركتُ الأسبوع الماضي في مؤتمر أخلاقيَّات الممارسة الإعلاميَّة وتزييف الوعي في عالمٍ مضطرب الذي نظمَهُ قسم الإعلام في جامعة قطر، وجاءت ورقتي العلميَّة بعنوان: (مظاهر إساءة الإعلام الغربي للإسلام والمسلمين- قراءة في الممارسات الإعلاميَّة الغربيَّة اللاأخلاقيَّة)، والحقيقة أنَّ المؤتمِرون ركَّزوا في هذه التظاهُرة العلميَّة على موضُوع الأخلاق التطبيقيَّة (مواثيق الشرَف) في بيئة الإعلام العريضة التقليديَّة منها والجديدة؛ وذلك على اعتبارِها الضابِط المعنوي الهام في تحديد مفهومَ الصَواب والخطأ في السُلوك المهني الصحفي، فهي مجموعةٌ القِيم والمعايير، التي يعتمدها أفراد الصحفيون، للتمييز بين ما هُو جيِّد وما هو سَيِّئ، وبين ما هُو صوابٌ وما هٌو خاطِئ، وبين ما هُو مقبولٌ أو غير مقبول.
قارئي الكريم، يُمكن إجمال أهم المبادئ العُليا الرئيسيَّة التي اتفقت عليها غالبيَّة مواثيق أخلاق الشرف الإعلاميَّة في التالي: حُريَّة الإعلام والصحافة، الدقَّة، الصِدق، العدالة، التوازُن، احترام الخُصوصيَّة، الالتزام بالمسؤوليَّة تجاه المصالِح العامَّة للمجتمع، الحِياد وتنحيَة الأهواء الشخصيَّة، الالتزام بالآداب العامَّة، احترام القانون، جودَة العَمَل، حقّ وسائِل الإعلام في الحُصُول على المعلومات ونشرِها، حقّ الجمهور في المعرفَة والحُصُول على المعلومات، واجِب وسائِل الإعلام في التغطية المتكاملة للأحداث، تحرِّي الجودَة والنوعيَّة والأمانة في المعلومات المقدَّمة للجمهور، عدم استخدام المواربَة والخِداع في العناوين الصحفيَّة والمعلومات والصُور ومقاطِع الفيديو المنشورة، تصحيح المعلومات المنشورة الخاطئة، الفصِل بينَ الخبَر والرأي، احترام كافَّة الأطراف في التعبير عن آرائِها والعَرض المُتوازِن لها، احترام حقّ النقد، التعليق العادِل على الأحداث والمُستجِدَّات، عدم التنميط والقولبَة لأيِّ اتجاهٍ دينِيٍّ أو فكريٍ أو سِياسِيٍّ أو جماعة عرقيَّة وغيرها من الاتجاهات والأيدولوجيَّات المختلفة في المجتمع الإنسانِي، عدم محاكمة المتهم بواسطَة الرأي العام، احترام قاعدَة أنَّ المتهم بريء حتَّى تَثبُت إدانته، نشر أحكام البراءة، عدم التأثير على السُلطات القضائيَّة، عدم تمجِيد الجريمة أو الدعوة إليها بأيِّ شكلٍ من الأشكال، عدم تشجِيع العُنف أو الإرهاب أو التطرُّف وغيرها واحترام القيَم العامَّة في المجتمع، وعدم نشِر ما يُشكِّلُ إساءَةً للذوق العام.
ورَغم أنَّ الفضاء العالمي والعربي يزخر بعددٍ كبيرٍ من مواثِيق الشرَف هذه التي أقرَّتها الكُتَل السياسيَّة المختلفة حول العالم، كما أنَّ غالبيَّة المؤسَّسات الإعلاميَّة البارزَة قد وضعَت لأنفسِها مواثيق شرفٍ مهنيَّة خاصة، إلَّا أنَّ السواد الأعظم من الإعلاميين والصحفيين لا يلتزِمون بها، ولذلِك تظَل موادَّ قانونيَّةً جامدَةً لا تُفعَّل، غالبًا، إلَّا في أضيَقِ الحُدود. ويتضِح ذلك بشكلٍ خاصٍ في تعامل جُلِّ الإعلاميين الدوليين مع قضايا الشرق الأوسط بشكلٍ عام والمسائِل المتعلقة بالإسلام والمسلمين بشكلٍ خاص، الأمر الذي يعكِسُ مدى ازدواجيَّة المعايِير في التعامُل مع القضيَّة الواحدة (الكيل بمكيالين)، وخدمة زبانية الإعلام الغربي اللاأخلاقي للإمبرياليَّة العالميَّة، ويمكِن إرجاع جُزءٍ من ذلك إلى عدم وجود عُقوبات واضحة وجازِمَة للصحفيين أو لوسائِل الإعلام التي تنتهِك هذِهِ المبادئ والمواثِيق الأخلاقيَّة المهنيَّة، بالرَّغم من المحاولات العديدة المبذولة لتوقِيع العُقوبات اللازمة على المخالفين، وهنا أذكُرُ أنَّ قوَّةُ القوانين والنُظُم والمواثيق والمبادئ تختلِف من دولةٍ إلى أُخرى، وكذلك مدَى جدِّيَّة تنفيذِها وتطبيقِها على أرضِ الواقِع.
يقول الطبيب والمؤرِّخ الفرنسي غوستاف لوبون في كتابه (سيكولوجيا الجماهير): «إنَّ سَنَّ القوانين باستمرارٍ ودُونَ توقُّفٍ، وكذلك سنّ التشرِيعات المُقيِّدَة التي تُغلِّف أصغَر عمَل من أعمال الحياة بِعِباراتٍ بيزَنطيَّة مُعقَّدَة؛ يُؤدِّي في نِهايَة المطاف إلى التقلِيص التدرِيجِي للدائِرَة التي يُمكِن للمواطِنين أن يتحرَّكُوا داخِلَها بحُريَّة، فالشُعوب تَقَع ضحيَّة ذلِك الوَهم القائِل بأنَّهُ كُلَّما زِدنا مِن عَدَد القوانين؛ فإنَّ المُساواة والحُريَّة تُصبِحان مضمونتَين بشكلٍ أفضَل، وهكذا تَقبَلُ كُلَّ يَومٍ بفَرضِ إكراهاتٍ قَسريَّة جديدة». وعليه، فإنَّهُ مهما عظَمَت التشريعات والقوانين الرادعَة، فإنَّ المُمارسات الصحفيَّة عليها أن تُقاد أولًا بالضمائِر والمواثِيق الأخلاقيَّة الصحفيَّة التي تعلُو قيمَةً وأثرًا على التشريع والقانون.
وفي نهاية الأمر، أجد أننا اليوم بحاجةٍ ماسَّة إلى استنهاض جمعيَّاتٍ مختصَّة في حماية حُقوق مُتلقِّي الإعلام (التقليدي والجديد) يكون دورُها الرئيسي، إبرام عقد اجتماعِي بينَها وبين المجتمع....عقدٌ يلتزِم بما يلي: توعية الجماهير بمخاطِر الإعلام السلبِي، وتثقيفهم وتعزيز الدافعيَّة لديهم لحُسن اختيار وانتقاء المضمون الإعلامي في هذا الفضاء الفسيح، وتحفيز مؤسسات المجتمع المختلفة (الأسرة، المدرسة، المسجد، الجامعة، مؤسسات العمل، إلخ) لتفعيل دورِها في التوجيه والضبط الإعلامي؛ وذلك تحمُّلًا للمسؤوليَّة الإعلاميَّة الواقعة على كتِف الجميع في زمن الإعلام الجديد، إضافةً إلى حَثِّ الجهود التنظيميَّة والتشريعيَّة لاستصدار القوانين والأنظمة والمواثيق والمبادئ التي من شأنِها حماية المجتمع من الممارسات الإعلاميَّة والصحفيَّة السلبيَّة وفرِض مفهُوم الحُريَّة المسؤولة على كافَّة أشكال الإعلام الجديدة والتقليديَّة.
إنَّهُ من المؤسف حقًا أن يتحول الإعلام ووسائِلِه إلى أداةٍ إمبرياليةٍ تافهة لا تقدِّمُ إلا السُّم المدسوس الذي يغيِّرُ شكل الحقائق ويوجِّهُ الأغاليط ويخلُقُ منها حقيقةً ملفَقةً لتصدقها الجماهير وتعتنِقُها بكُلِّ سُهولة ويُسر. إنَّ ما تعلمناه في كليات ومعاهد وأقسام الإعلام؛ هو أنَّ الإعلام صنعة النجاح وأنَّ المهنية تسبق مادية الصنعة وأنَّ الأخلاق تتسيد المهنة والصنعة معًا، لكنَّ عروجًا سريعًا إلى المضامين المدسوسة، نجد أنَّ صنعة النجاح هذه أصبحت ذات مكيالين، وأنَّ الأخلاق وقفت خَجلى من ممارسات الكثير في مضمار الإعلام العريض، وأنَّ الجمهور أصبحَ يصفق لنفسه!
{إعلاميَّة وباحِثَة أكاديميَّة- جامعة قطر

خولة مرتضوي