كتاب وأراء

عصافير يَحلبها الظمَأُ!

بقلم- د.سعاد درير
كاتبة مغربية
على الحبل الممتَدّ بين ضِفَّتَيْ العته والجنون أَتَحَدَّاكَ ألاّ تَراهم هنالك هُم المبدعون والمفكرون يتمايلون، يتمايلون هُم تمايُلَ الفراشات الهاربة من مساحة الصمت في اتجاه شيء من الضوء المنبثق من حُمّى الرغبة في إعلان العصيان..
واحد من أولئك الذين مَرُّوا من الباب الضَّيِّق خشيةَ أن يسقطوا في مستنقع الضوضاء كان ذلك الـ«هيرمان هيسه Hermann Hesse» الروائي والقاص والشاعر الألماني..
على أن هيرمان هيسه رغم أصوله الألمانية فإنه ظَلَّ كاتبا من أبرز كُتّاب سويسرا ومن نُخبتها المميزة، يكفي أنه جَنَّدَ روحه الميالة إلى السرد للكتابة الروائية، وإن كان لا يقل شأنا على مستوى حضوره كشاعر ثري بإحساسه الذي لا يَنضب له مَعين ولا ينطفئ له ليلٌ مشتعِل..
لماذا قلنا الليل؟!
إنه الليل البهيم الذي لم يَقْوَ هيرمان هيسه على أن يَنتشل منه نفسَه الهائمة بعيدا عن مدارات الواقع الضيق بآفاقه المنفتحة على الأمل، ومتى كان المبدع ليؤمن بنوافذ الأمل المشرعة على الغد الباسمِ العينين لولا مظلة الإحساس التي تَحجب عنه شيئا من شظايا النجوم الصارخة جمراتها!..
الأمل ذاك لم يَنْأَ بهيرمان هيسه عن ذَيل الألَم الذي كان يَجلده جلدا، منذ زمن طفولته التي حكَمَتْ عليه بالغربة المؤبَّدة وهو يَجِدُ قُدَّامَه سيول الوفاء للمذهب البروتستانتي الذي يؤمن به والداه لا تَتفق مع أفكاره وعقيدة روحه البعيدة عن اعتناق أي مذهب..
المناخ المحافظ الذي رتَّبه الوالدان المحافظان لاستِدْراج ابنهما هيرمان هيسه إلى قُبَّتِه الدينية أخفق في جرّ قدميّ الولد إليه، وفي ظِلّ هذا الاختناق الذي كان يستنزف روحَه التواقة إلى الحرية لم يَجِد الفتى حلاّ سِوى الهروب..
كان الهروب من البيت حينذاك بدايةَ التخطيط لاستقلاليته بعيدا عن قيود السلطة الأبوية التي لم تنجح سياستها في ربط هيرمان هيسه بكرسي المبادئ الأكبر من أن تُغري الولدَ باتخاذها بوصلة عند مفترق طرق اتخاذ القرار..
مسلسل التِّيه والضياع الذي كان لهيرمان هيسه دور البطولة فيه لم ينتهِ بعد، إذ كان القدَر نفسُه يُرَتِّبُ للكاتب موعدا آخَر مع تشظي الروح وتمزق الذات في ظِلّ الانفلات من حفرة الواقع الأشَدّ ضيقا من احتمالات القفز بعيدا عنها..
مواعيد ما أكثرها تلك التي قَلَّصَتْ مساحةَ الأنفاس الأبعَد من القدرة على الاختلاس، إنها مواعيد هيرمان هيسة مع المصحَّات النفسية والعقلية التي وجد نفسَه يلجها مُكْرَها بحكم الانفصال عن الواقع الذي صيَّر صانعَ الأدب غريبا عنه..
عزلة نفسية لم يكن المبدعون يوما يتصورون أنهم سيُعَلَّقُون على عَمودها لاختبار مدى تحمُّلِهم لحرارة الواقع الساخِن بنار اللااختيار ذاك الذي حَوَّلَهُم إلى حطب قابل للاشتعال..
فشَلُ هيرمان هيسة في تجاوز عمر الطفولة بسلام لم يَكن أقل سوءا من فشله كرَجُل لم يَجِدْ نفسه في مقتبل شبابه إلا في العمل كساعاتي بعد مشقة، إذ قلما كان هو يشعر بالارتياح في سوى ذلك، وهو ما كان يؤجل حلمه الأدبي بسبب اضطراباته النفسية التي كانت تكشف سعةَ الفجوة بينه وبين واقعه..
كيف لنفسه المعذَّبة أن تتسلل إلى فضاء آخر يَسمح باكتشافها؟!
هذا بالتأكيد هو السؤال الذي لم يسأله هيرمان هيسه لنفسه، لكن خطواته التالية من المؤكد أنها كانت تحمل الإجابة، وبشكل مفصَّل رغم بقاء ظروف الحياة الغامضة التي رَوَّضَتْه على جَني الشوك مهما اجتهد هو في الحلم بضيعة الورد الذي لا يذبل..
زواج هيرمان هيسه كذلك لم يكن موفقا، إذ بالكاد عَجَّلَ بانتكاسة أخرى، يكفي أن زوجته الأولى واجهت من المشاكل النفسية ما جعل تجربة حياته تدفعه إلى الكفر بالحياة، وربما لم يَلتمس هو شيئا من الضوء إلا في حضن زوجته الثالثة..
من الطفولة المعذَّبة إلى هواية العمل في مجال بيع الكتُب كان مصباح الأمل يَعِدُ بشيء من الرؤية التي تسمح ببرمجة أولية لمشاريع المستقبل الحافل بالكتابات الروائية، ولا غرابة أن ساعَدَه ذلك عمله ككتُبي، مما أهَّلَه للإبحار في القراءة حتى في ساعات الراحة التي كان يطيب له فيها أن يعانق كتابا على أن يؤجل أكثر من موعد يَخلد فيه إلى النوم..
الحياة الشخصية لهيرمان هيسه، والبلدان التي تنقل إليها بحكم ما أَمْلَتْهُ مطرقة الظروف، كل هذا جعل الكاتب يتخذ من واقعه العصي على التكيُّف معه مادة خصبة لأحداث متخيَّله الروائي، وهذا ما تجلى واضحا في أكثر من عمل روائي له..
مما لا شك فيه أن هيرمان هيسه قد عاش البطولة المطلقة على أكثر من صعيد، فإلى جانب كتبه الروائية ومؤلفاته الأدبية الأخرى التي لم تَقِلّ حمولة معرفية وعمقا عن أعمال آخرين مثل الروائي ستيفان زفايغ (انظر إلى مقال سابق عن ستيفان زفايغ ضمن باب «بين حرفين»)، فإنه كان بطلا أيضا في رفض سياسات السلطة الألمانية وإعلان عدم اتفاقه مع ما تُسَطِّرُه..
مشاركته السياسية الرافضة للمنطلقات السياسية الألمانية لم تُغَيِّبْ هيرمان هيسه عن أن يتطوع للخدمة العسكرية، مع أن اضطراباته النفسية كانت تشجع على إعفائه، لكنه مع ذلك كان يمد يد المساعدة لمن جنَّدوا نفوسهم لتلك المهمة..
عدد هائل من اللغات ترجمت إليه روايات هيرمان هيسه وغيرها من الكتابات، وهو ما يعني أن مستوى تلك الروايات كان أكثر حظا من غيرها، مما جعله يؤسس لنفسه أرضية صلبة على نطاق التلقي بفضل إقبال الملايين على متابعة أعماله..
هو هذا الـ«هيرمان هيسه» الذي تراه بين الفينة والأخرى يُسِرّ إليك بكلمات ليست كالكلمات، إنها من أكثر أقواله المعبرة تلك التي تركها هيرمان هيسه لوَرَثَةِ مجْده الأدبي من عشَّاقه وقُرّائه المخلصين لعهدهم مع القراءة، وإليك الشاهد التالي:
- (ما كانت الجنة جنة سوى لأننا طُرِدنا منها).
- (الإنسان الذي ليس على توافُق مع عالمه هو دائما على وشك اكتشاف ذاته).
- (الدموع جليد الروح المذابة).
- (كومضة برق تمرّ الحياة).
- (الملائكة قريبة من الشخص الذي يَبكي).
- (الأمور الصغيرة في الحياة غالبا ما تسبب مصائب جسيمة).
- (لا يوجد إلا سحر واحد وقوة واحدة وخلاص واحد، إنه الحُبّ، فلتُحِبّ معاناتك ولا تهرب منها).
- (كم كنتُ أعيش صخب تدمير الذات!).
- (من أراد أن يعيش مطولا عليه أن يخدم مطولا).
- (السعادة هي الحُبّ، لا شيء آخر. مَن يُحِبّ فهو سعيد).
- (يستطيع كل منا أن يفهم الآخَر، لكن أيا منا لا يستطيع أن يشرح نفسه إلا لنفسه).
- (ليس هناك شيء نستطيع أن نتنبأ به أو نعرفه بشكل مؤكد في هذا العالم سوى الموت).
- (إذا كنتَ تكره شخصا ما، فأنت تكره شيئا بداخلك تَجِدُه فيه، فما ليس بداخلنا لا يزعجنا).
- (ليس الوطن هنا ولا هناك، إنه بداخلكم، أو لا وجود له على الإطلاق).
- (عليك أن تجرِّب المستحيلَ لِتَصِلَ إلى الممكن).
من كان يُصدق يا صديق أيامي الحلوة والمرة أن تكون الظروف الذبّاحة هي نفسها التربة الصحية المتاحَة التي مكنت هيرمان هيسه من حرث حقول الأدب إلى أن أَهَّلَتْهُ لحصاد أكثر من جائزة، ومنها بطبيعة الحال جائزة نوبل للآداب!
يغِيب هيرمان هيسه عن دائرة الضوء، لكن هيهات لعناوين كتبه أن تَغيب وهي الضاربة مشارق الأرض ومغاربه بعَربة فنِّه الأدبي ذاك الذي كلما تقدم بنا الزمن ازدادت خيلُه صهيلا وهي تلتهم المسافة إلى الآخَر الذي لا يخفت لشمعته توهج..
في مقدمة هذه العناوين تتربع كتُبه الآتي ذكرها: «سيدهارثا»، لعبة الكريات الزجاجية«،»دميان«،»الرحلة إلى الشرق«،»الحكايات الخرافية«،»المغامرة الأولى«،»نرسيس وغولدموند«،»الصيف الأخير«، إذا ما استمرت الحرب»، «أحلام الناي»، «ذئب السهوب»، «قلب طفل الكتاب الثوري»، «أحلام الناي»، «تجوال»..
هي أعمال كُنْ على يقين يا صديقي أنها لم تُكتَبْ بدَمٍ بارد، فما أكثر الكُتَّاب الذين لم يذرفوا دمعة واحدة وهُم يتنافَسون على نقط الضوء دون أن يُغَطّي الواحد منهم فراغا يُذْكَر عند قارئ يعتصره الشغف والحنين!
لكن في المقابل ها أنتَ تعاين إلى أيّ مدى يظل الأثر خالدا لأولئك المعذَّبين الذين فصَلَهم بحر التجربة المالحة عن أقفاصهم الصدرية قبل أن يُجَرِّبُوا الإبحار في الكتابة ليفَصِّلُوا تجاربهم على مقاس الفنّ..
هيرمان هيسه سيد هؤلاء الذين زرعوا الأمل في بركة اليأس، اليأس يا صديقي يسرق الضوء من سنابل النهار الواعد بعباءة الربيع الحالمة بثغر الحُبّ المتفتح تفتُّحَ زهرة تمارس الغواية على العصافير تلك التي يَحلبها الظمأُ..
في قلب اليأس تفجَّرَ ينبوع الأمل في مَجْدٍ أدبي قلّ أن ينافسَه مَجْد، إنه صاحبنا هيرمان هيسه الذي صلب جحيمه على جدار الإبداع ليكتب عن الجنة الخالدة هذه التي تبشر بزواج العين والقلَم..
نَعَم يا هيرمان هيسه يا كبيرَهم، ها أنتَ خَلَقتَ الثروة من حطب الثورة على مارد الظروف في علاقته بالآخَر الذي يَفرض عليكَ التبعية ويعلن عليكَ الحربَ مع نفسكَ دون أن تُبَيِّتَ نية..
تحية هيرمان هيسة بنكهة القرنفل المغربي، وإلى أن نَلتقي.

سعاد درير