كتاب وأراء

الصدمة البريطانية .. وداعا أوروبا الحلم

فعلها أحفاد شكسبير وخرجوا من مشروع أوروبا الموحدة الذي لم يقتنعوا به تماما يوما رغم كثافة الجزء المؤيد له. أوروبا في الأصل هي مشروع فرنسي ألماني التحقت به بريطانيا، بعد جهد جهيد. وكان الإنجليز ينأون بأنفسهم أصلا عن أي اندماج رغم وجودهم في الاتحاد بدءا من العملة إلى التأشيرة. خطورة خروج بريطانيا من أوروبا لاتكمن في أنه سيشكل خطوة أولى على طريق تحول بريطانيا العظمى إلى إنجلترا الصغرى فحسب، ولا في التداعيات الكبرى الأخرى على مكانة هذه الدولة داخل القارة وعلى الساحة الدولية.
فأوروبا الموحدة بذاتها رمزية كبيرة في مشروع السلام العالمي، وتفككها يوجه رسالة سلبية قوية إلى العالم أجمع. فرغم كل الشوائب التي اعترت مسيرة الاتحاد الأوروبي والخلافات التي فتكت بأعضائه والبيروقراطية التي أثقلت عمل هيئاته، بقي هذا المشروع نموذجاً للوحدة وحلماً لشعوب كثيرة تتطلع إلى تلك المساحة المفتوحة على كل أنواع الحريات والحقوق والتنوع.
لا شك في ان الحلم الأوروبي يتعرض اليوم لانتكاسة لم يشهدها من قبل، ويقف أمام أكبر تحد يواجهه. وكل المكاسب التي جنتها الوحدة الأوروبية بالتمدد شرقاً نحو دول كانت منضوية في الكتلة السوفياتية السابقة، خسرته بخروج بريطانيا وبتململ دول أخرى أمام تحديات الحاضر.
انه يوم تعيس آخر، لا لبريطانيا وحدها بل للبشرية جمعاء. اليمين الأوروبي المتطرف يضغط لإجراء استفتاءات مشابهة. دونالد ترامب يقترب خطوة من البيت الأبيض. الاقتصاد العالمي قد يكون في مهب العواصف. التخويف من المهاجرين ينتفخ. القومية الضيقة الأفق انتصرت، وإن تغير معناها: لم تعد تطمح إلى وطن كبير ذي مدى حيوي. القوميون البريطانيون صوتوا لبلد أصغر، أي لبريطانيا التي سيؤدي الخروج من أوروبا إلى حرمانها اسكوتلندا وإرلندا الشمالية، وربما ويلز. القوميات باتت تتحدث لغة الأقليات والإثنيات المطالبة بالحقوق والانفصال وحق تقرير المصير. الشباب خسروا لمصلحة المسنين. الريف انتصر على المدن الكبرى الكوزمبوليتية والصناعية. الثورة المعلوماتية انهزمت. الرغبة بالتقوقع تقدمت خطوات على روح المغامرة بالانفتاح.
أسباب كثيرة تقف وراء المشاعر المناهضة لأوروبا، بينها الفجوة الاجتماعة وانعدام الأمن وغزو العنصرية وخلفيات سياسية مختلفة، وأضيفت اليها أخيراً موجة لجوء لا سابق لها منذ الحرب العالمية الثانية.
لكنّ الابتعاد عن أوروبا ليس بالتأكيد الدواء لهذه النزعات. فلطالما كانت أوروبا ضمانة لمواجهة التطرف والعنصرية والإسلاموفوبيا وحماية الأقليات. واليوم وبما ان الاسباب التي دفعت البريطانيين للخروج من أوروبا لن تجد الحلول السريعة ولأن القارة القديمة ستظل تشهد موجات من اللاجئين وأزمات اقتصادية تتفاوت درجاتها وحدّتها ناهيك عن ظهور يمين متطرّف مناهض للمهاجرين إلى أوروبا، فإن الخسارة ليست فقط في الخروج البريطاني بل في ما سيلي هذا الخروج من تأثيرات على أوروبا كلها. ومهما اطلقت فرنسا والمانيا من تطمينات، لن تكون كافية لردم الفجوات التي أحدثتها بريطانيا.
وبينما كان العالم ينتظر خروج اليونان بفعل كارثتها الاقتصادية، اذا بإحدى أغنى ثلاث دول في الاتحاد تغادره وتحدث اكبر ضرر بالمشروع الأوروبي، الذي لم يكن رهاناً أوروبياً فحسب وانما كان رهاناً غربياً وصيغة حضارية لتجاوز الصراعات الوطنية ومصالح الدول لما هو أرقى وأكثر تسامحاً ووفرة للإنسان الغربي عموماً والأوروبي خصوصاً
أمين قمورية

امين قمورية