كتاب وأراء

ذلك الجدار في مطعم الثورة

بعد عام 2012، بعد أن بدأت تغريبة السوريين وبحثهم عن اوطان جديدة، وبعد استقراري شخصيا في القاهرة، وابنتي في أوروبا، كنت أذهب إلى هناك في دعوات شعرية، أو لزيارة ابنتي واختي التي تقيم في باريس منذ ما قبل الثورة بسنوات طويلة، وكان لابد من لقاء الأصدقاء والمعارف السوريين كل ليلة تقريبا، نجتمع في مطعم لصديق سوري من سوريي فرنسا القدماء، أسمينا مطعمه وقتها: مطعم الثورة، حيث كان يجتمع فيه كل السوريين المؤيدين للثورة في باريس، معهم أصدقاؤهم العرب والأوربيون، الذين آمنوا بعدالة الربيع العربي، وبالثورة السورية على وجه الخصوص،
كل السوريين الذين مروا على باريس لزيارة عابرة أو طويلة، كان لا بد لهم من التعريج على (مطعم الثورة) واللقاء مع باقي السوريين، وترك بصمة مرورهم على المكان، إذ كان ثمة قسم كبير من جدار المطعم الشمالي قد تحول إلى ما يشبه دفتر الملاحظات، حيث يسجل عليه كل من يمر هناك اسمه وتوقيعه وبعض كلمات كانت كلها خاصة بالثورة وبسوريا، كنت ستقرأ على الحائط أسماء أهم الشخصيات السورية المنتمية إلى الثورة في الثقافة والفن والمسرح والسينما والأدب والموسيقا والغناء والسياسة، كنت ستقرأ أيضا أسماء مثقفين عرب وفرنسيين زاروا ذلك المكان ذات يوم، كنت ستمايز بين خطوط أيديهم في زمن التكنولوجيا، وستعرف تواقيعهم وتواريخ مرورهم إلى (مطعم الثورة)، وكان الأمل الذي يطلع من كلماتهم المدونة على الحائط سوف ينتقل إليك حتما، وسيرتفع معدل الأدرينالين في جسمك من فرط الإثارة والحماس الذي كنت ستشعر به لو أتيح لك ذلك الوقت أن تكون أحد الزائرين، أو ربما كان الحماس سوف ينتقل إليك من وجوه السوريين المجتمعين كل يوم هناك، بدون اية مناسبة سوى الثورة نفسها، أو لنقل: ربما سوى سوريا نفسها، حيث كان يتم إنشاء مناسبات أسبوعية تهدف إلى لم التبرعات وإرسالها إلى السوريين المحاصرين، أو تهدف إلى تأمين نفقات علاج الجرحى والمصابين الذين كانوا ضحية إجرام النظام، أو مساعدة عائلة لاجئة حديثا إلى فرنسا، كان للفعل الثوري أشكاله المتعددة، أو لنقل للفعل المساند للثورة، حيث كنت وما ازال على يقين أن الثورة لا تكون من الخارج، الثورة في الدخل فقط، الثوريون في الخارج يساندون الثورة لا فاعلين فيها إلا بالمفاوضات السياسية، وهو بكل حال، ما كان إحدى الافتراقات المهمة التي حصلت في الثورة السورية بعد أن بدأت بذرة القضاء عليها مع بداية التسليح المنظم وإغداق الأموال لتشكيل كتائب جهادية، كانت نتيجتها ما نحن عليه اليوم.
في السنوات اللاحقة، حين كنت أزور باريس كنت أقصد المطعم ذاته، لكنني كنت أنتبه إلى أن لوحة الجدار تلك بقيت كما هي دون أية إضافات، لم يعد أحد يملك الحماس للكتابة على الجدار، فالجدران دفاتر المجانين كما يقولون، والمتحمسون للثورة مجرد حالمين مجانين، وشفتهم من الحلم الافتراقات المرعبة التي حصلت للثورة، وتحولها إلى حرب متعددة الأطراف، هل يصح قول ذلك دون أن أكون قد وقت في الخطأ القاتل؟! فالثورة في رأي الكثيرين وفي رأيي أيضا، ما إن تبدأ فلن تنتهي حتى تحقق ما كانت تهدف إليه، مهما طرأ عليها ومهما تغيرت طرقها، تاريخ الثورات في العالم يقول هذا، منطق الثورة نفسه يقول هذا، قد تحتاج الثوررة إلى عقود عديدة كي تنجز ما قامت من أجله، وقد تتغير أجيالها الثورية، ويمر عليها العديد من الأجيال، مرة أخرى تاريخ الثورات في العالم يقول هذا! غير أن ثمة شيئا ما قد انكسر في الثورة السورية، ربما ليس الحلم بالتغيير، لكنه الحماس حتما، والأمل في الغالب، بعد أن اتففق العالم كله على وأد هذا الأمل، وبعد أن بليت الثورة بقيادات لم تكن على قد الحلم ولا قد الأمل، وحتما ليست على قد الثورة.
قبل أيام في زيارة لباريس طلبت من أحد الأصدقاء أن يقابلني في (مطعم الثورة) ربما هناك يمكنني مقابلة عدد من الأصدقاء المعتادين، لم أدهش كثيرا حين قال لي أن المطعم قد تم بيعه، وأن السوريين في باريس لم يعودوا يلتقون إلا نادرا، تفرقوا وانكفأ كل منهم إلى حياته وشؤونه الشخصية، مكتفيا بعدد محدود جدا من المعارف يتواصل معهم، لم أسأل صديقي عن مصير ذلك الحائط الاستثنائي، إذ أنني متيقنة من أن المالك الجديد للمطعم قد أعاد طلاءه وهومندهش من عدد المجانين في هذا العالم.
بقلم: رشا عمران

رشا عمران