كتاب وأراء

حتى لا يستيقظ حزننا القديم!

د.سعاد درير
الصدمة الأولى: قصة تقول إن في مستشفى تَسقط باروكة شَعر فتاة، كل الأفواه تضحك ساخرة من الموقف، لكن شابا حَيِيا يتقدم ليُساعد الفتاة التي تَدمع عيناها بحرقة، فلا أحد كان يتصور أن المسؤول عن صلعها سَرَطان زاحف.
الصدمة الثانية: قصة تَقول إن طفلا يَركض إلى إلى المقبرة ليَتَوَسَّدَ قبرَ أُمِّه ويبكي بلوعة وهو يشكو إليها قَسوةَ المدرِّس الذي يَضربه بعُنف ويُعاتب أُمَّ الطفل على إهمالها وعدم اهتمامها بالصغير وبمراجعة دروسه.
ما أكثر المرات التي تَجِدُ نفسك تَحكم على الآخرين حُكما قاسيا قبل أن تعطي نفسك فرصة للبحث عن الحقيقة الغائبة، فما أسهل أن تَجُورَ، وما أصعب أن تَعْدِلَ!
عِوَضَ أن نَلْتَمِسَ للآخَرين عُذرا واحدا نَجِدُ نفوسنا مَيَّالة إلى التأنيب والتوبيخ بشتى الطُّرق لمن لا يَستحق، وكأننا نَتَوَاطَأُ مع الظروف القاهرة ضِدَّه هو الذي يَنتظر منا أن نأخُذَ بِيَدِه.
ما كان دِيننا الإسلامي نفسُه ليَتَسَلَّلَ، بلا استئذان، إلى القلوب والأبصار والآذان، لو لم يكن قائد هذا الدِّين وحامل رسالته إنسان يُرَتِّبُ دواخلنا ويؤثِّثُ فضاءنا الروحي بلسانه اللَّيِّن وحكمته التي تسعى إلى أن تُطَيِّبَ الجرح لا أن تَنْكَأَه.
رسولنا محمد بن عبد الله لم يَكُنْ يوما «فظًّا غليظَ القلب» لِيَنْفَضَّ مُريدوه من حوله، لم يَكُنْ خَشِنَ المعاملة ليتفاداه أهلُه وذَوُوه، لم يكن متسرِّعا ليَقضي بغير الحقّ.
لقد كان عليه الصلاة والسلام رَجُلَ البِرّ والإحسان، ومن ثمة كان يَزرع في القلوب الاطمئنان، يُرَوِّضُ القُساة ويُبَرِّرُ فِعْلَ مَن لا عِلْمَ لك عَنه، ولا يَتَوانى عن أن يَتَرَيَّثَ حتى لا تَسْتَدْرِجَهُ العجلةُ إلى القضاء بالباطل.
عَوِّدْ نفسَك من الآن على أن تلجمَ لسان نفسِك كي تَسْلَمَ من تهوُّرِها الذي لا يَنْجُو من عواقبه إنسان.
ما أَقْسَى أن نَجْرَحَ، وما أَرَقَّ أن نَتَفَهَّمَ!
ما أسرَعَ أن نَثُورَ، وما أبْطَأَ أن نُنَوِّمَ الغضبَ حتى لا يَستيقظَ حزنُنا القديم!
ما أطْيَبَ الحِلم، وما أَمَرَّ الظُّلم!
لِنَكُنْ في مستوى إلىَد الطاهرة التي تُداوِي، فكَمْ مِن جُرح شَفَتْهُ كلمة! وكَمْ من أَزْمَة وكربٍ فَرَّجَهُمَا شيء مِن التَّرَوِّي!
نافِذَةُ الرُّوح:
-«بين الحُبّ وعيون الليل بَوْحٌ».
-«بين معطف السَّلام وتَنُّورة الحرب عرْيٌ أخْلاقي».
-«بين عيون التحدي وفَمِ الألم صرخةٌ».
-«بين الانبطاح والوقوف جسدٌ راغِب».
-«بين مقصّ الحرية وقماش الظُّروف المنكمِش تَرَدُّدٌ يَدفع إلى الهَذَيَان».
-«بين الغَيم والمطر حُلمٌ عَصِيّ».
-«بين الإنسان ونَزَوَاتِه شيطانٌ».

سعاد درير