كتاب وأراء

درس الديمقراطية الأصعب في تونس

تعيش تونس على وقع أزمة آخذة في التصاعد منذ فشل الأطياف السياسية في تشكيل فريق حكومي قادر على البدء بإخراج البلاد من العواصف التي تضربها. سقطت الحكومة الأولى التي لم تحظ بثقة البرلمان ثم كلّف رئيس الجمهورية شخصية جديدة لتشكيل حكومة لا تزال تتفاعل أطوار تزكيتها أو إسقاطها.
هذا المشهد الذي يذكّي حالة الاحتقان السياسي في البلاد يراه البعض دليلا على غياب النضج لدى نخب فاجأتها الثورة كما فاجأها سقوط الاستبداد. لكن البعض الآخر يرى في أزمات التجربة الديمقراطية التونسية علامة صحيّة على ثبات المسار التونسي لأن الطريق نحو مجتمع ديمقراطي لا بدّ أن يمرّ بأزمات مماثلة.
صحيح أن بناء الديمقراطية هو أصعب التجارب السياسية خاصة بالنسبة لدول خارجة للتو من عقود من الحكم الاستبدادي الشمولي. لكن المشهد في تونس يزداد تأزما يوما بعد يوم وهو أمر لا يقتصر على الأداء السياسي للنخب والأحزاب بل تعداه إلى أخطر من ذلك بكثير وهو حالة الانسداد الاجتماعي التي يعيشها البلد المنفتح على المجهول من الاحتمالات.
الملفت للنظر في المشهد التونسي هو حالة العداء الشديد التي ميزت مواقف الأحزاب السياسية من بعضها البعض. هذا العداء لا يقتصر على حدّة المواقف الايديولوجية التي تعود جذورها إلى فترة الستينات والسبعينات وكذلك الثمانينات من القرن الماضي في أروقة الجامعة بل يذهب إلى أبعد من ذلك بكثير. اليوم تعود الأحقاد القديمة وتتجدد مدفوعة بأجندات إقليمية ودولية تستهدف التجربة التونسية والوطن ككل وهو أمر تدركه هذه النخب السياسية جيّدا جدا.
تقبل بعض النخب السياسية اليوم التضحية بالتجربة وإعادة النظام القديم إلى الحكم من أجل الانتقام من خصم سياسي أو تصفية حسابات ايديولوجية بائسة. هذا الوضع المؤسف يؤكد أن بناء الديمقراطية أصعب بكثيرا من الإطاحة بالاستبداد. لم يُكلّف إسقاط بن علي وقتا طويلا لكنّ بناء مسار ديمقراطي في حدّه الأدنى صار أشبه بالمعجزة.
لم تتعوّد النخب السياسية التونسية على الاختلاف والتعايش والقبول بالآخر بما هو جوهر الممارسة الديمقراطية لكنها تقبل أحيانا عودة الاستبداد أو التمكين لعودته. هذا السلوك الانتحاري قادر على أن يعصف بمستقبل كثير من الأحزاب السياسية التي لم تكن مشاركة في الثورة وهي مُنجز حصري لفقراء تونس ومسحوقيهم.
هذا الوضع يفتح تونس على كثير من الاحتمالات لكنها تبقى في انتظار التوصل إلى حكومة وحدة وطنية قد تحظى بتزكية البرلمان قبل الدعوة إلى انتخابات مبكرة تحمل في طياتها مفاجآت كثيرة.
بقلم: محمد هنيد

محمد هنيد