كتاب وأراء

مـلاك في صـورة بـشـر

نشرت جريدة الديلي ميل البريطانية بتاريخ 9 فبراير 2017 لقاءً مع شخصية عربية مقيمة في أميركا، وقد كرست حياتها لاحتضان ورعاية الأطفال ذوي الأمراض المميتة منذ 18 عاماً وحتى اليوم.
إنه محمد بزيك العربي الذي قال: أنا أعلم أنهم أطفال مرضى وميؤوس من شفائهم، كما أعلم أنهم سيموتون، لكني أفعل ما بوسعي وأترك الباقي على الله.
وأخيرًا أمام هذا العطاء الإنساني الأسطوري لم يجد أهل الغرب سوى الاعتراف بوجود نماذج مسلمة متدينة وشجاعة تفني حياتها في العمل التطوعي العام، فقد اعتبروا محمد أسطورة عبقرية في العمل المحلي التطوعي، فقد اشتغل محمد وما زال يعمل كأب بالتبني منذ قرابة آخر عقدين من حياته لرعاية وتبني الأطفال ذوي الأمراض المستعصية.
الغريب في الأمر انه بالرغم من وجود عدد كبير من الآباء والأمهات الذين يتبنون الأطفال، لكن وحده محمد وزوجته كانا لا يعتنيان سوى بالأطفال المرضى الميؤوس من شفائهم والذي ترفض دور الرعاية الاعتناء بهم، حيث يقول العاملون في قطاع الرعاية الاجتماعية في أميركا: «محمد بزيك هو الشخص الوحيد الذي يمكننا الرجوع إليه بطفل مريض مرضا قاتلا».
وتضيف ميليسا تسترمان المسؤولة عن وضع الأطفال في دور الرعاية:
إذا اتصل أحدهم وقال «إن هناك طفلا يحتاج دارا للاطفال وسوف يموت، فلا يرد في بالنا أي اسم آخر غير محمد بزيك، إنه الرجل الوحيد الذي سيعتني بأي طفل قد يموت قريبا.
وقد أعربت د. بوبرتس طبيبة الأطفال في مستشفى لوس انجلوس عن امتنانها لمحمد بزيك وهو الذي اعتبرته بمثابة أسطورة ملائكية تحيا بين البشر.
لقد انتقل محمد إلى الولايات المتحدة في عام 1978، وقرر هو وزوجته «فجر» الاعتناء بالأطفال في عام 1989، حيث استمرا في هذا العمل حتى بعد ولادة ابنهما آدم عام 2007 والذي وُلد مصاباً بهشاشة في العظام وبمرض القزامة، ولم يتوقف محمد حتى بعد أن بدأت تعاني زوجته في عام 2000 من نوبات مرضية، مما اضطرها لترك زوجها لأيام، ثم قام الزوجان بالانفصال عام 2013 بسبب الضغط الزائد والتوتر المستمر.
ولقد توفيت زوجته بعد ذلك بقرابة السنة، ويقول عنها: إنه حينما يتذكرها تدمع عيناه، ولقد كانت دائما اقوى منه حينما يموت الأطفال.
المدهش في شخصية محمد أنه واذ يعتني بطفلة عمرها ست سنوات صماء وعمياء ومشلولة، ولدت بمرض يمنعها عقليا وجسديا من النمو وتعاني من نوبات الصرع كل يوم، كما تتنفس ويتم إطعامها من خلال أنابيب، لكن محمد بزيك يبقى يقظا ليلًا ونهاًرا أمام جسدها الصغير ليتأكد من أنها تحصل على أعلى قدر من الراحة يستطيع توفيره لها.
أنه يظل يحاكيها ويلاعبها ويربت على كتفها ويقول: أعلم أنها لا تسمع ولا تبصر.. لكنني أكلمها دائما، لأني موقن إن لها إحساسا».
لقد قضى محمد آخر عشرين سنة من حياته محاوِلاً توفير الراحة وإعطاء الأمل لأطفال نبذهم اباؤهم ولم يرغب أحد آخر غيره في الاحتفاظ بهم.
ما أقسى بعض الأرحام.. وما أرحم بعض الغرباء.
فبينما يرزق الله البعض أبناًء أصحاء وأسوياء، لكن يبتليهم بآباء غلاظ يحطمونهم تحطيما نفسيا وجسديا، فيما يبتلى بعض الأطفال بأمراض جسام وآباء لئام لكن يعوضهم بآباء بالتبني، هم ملائكة في صورة بشر.
سلاما لروح ملائكية تعيش على الأرض بيننا في صورة بشر.

داليا الحديدي
كاتبة مصرية

داليا الحديدي