كتاب وأراء

إلى أين يذهب هذا العالم؟

قبل أيام صوت البريطانيون لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، علما أن بريطانيا لم تكن عضوة في اتفاقية الشينغين ولا في منطقة اليورو، ولم تكن موقعة على اتفاقية دبلن الخاصة باللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين، علاقة بريطانيا بالاتحاد الأوروبي كانت علاقة اقتصادية وتجارية بحتة، لا أكثر ولا أقل، ومع ذلك وافق اثنان وخمسون بالمائة من المستفتين البريطانيين على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
اللافت في الاستفتاء أن الرفض في غالبيته جاء من مناطق الريف البريطاني، في حين صوتت المدن والمقاطعات الكبرى لصالح البقاء، هل يعني هذا أن المدن والمقاطعات البريطانية استطاعت الانفتاح على العالم والخروج من وهم بريطانيا العظمى لصالح بريطانيا كجزء من أوروبا وجزء من العالم الذي لن ينجز حضارة كاملة بغير التكامل والمساعدة، بينما بقي الريف يعيش في قوقعته الخاصة؟
قد يكون هذا الكلام صحيحا لو اعتبرنا أن الريف البريطاني معزول عما يحدث من متغيرات مذهلة يومية في العالم، وهذا حتما ليس بدقيق، فمقاطعة ويلز مثلا، تعيش على المساعدات المالية المقدمة من دول الاتحاد الأوروبي، وهي تدرك أنه بخروج بريطانيا من الاتحاد فإن المساعدات ستتوقف، وأن الحكومة البريطانية الغارقة في أزماتها الاقتصادية لن تستطيع أن تقدم البديل لا لويلز ولا لغيرها، وهو ما دفع بديفيد كاميرون رئيس الوزراء البريطاني إلى تقديم استقالته بعد صدور نتائج الاستفتاء مباشرة، فهو يدرك عجز حكومته في حال أقر مجلس العموم البريطاني نتائج الاستفتاء عن إيجاد حلول اقتصادية تعوض الخسارة التي ستلحق ببريطانيا جراء ذلك.
على أن الأمر لا يقتصر على بريطانيا، إذ بدأ اليمين المتطرف الأوروبي يدعو لأن تحذو بقية الدول حذو بريطانيا، وهو الذي كان على قائمة برنامجه لرئاسة البرلمان الأوروبي حل اتفاقية الاتحاد الأوروبي ولاسيما اتفاقية الشينغن واتفاقية دبلن، متذرعا بالعدد المتزايد للاجئين القادمين إلى أوروبا من دول الحروب والمجاعات، والذي حسب نظريته، سيغير في تركيبة المجتمع الأوروبي وسيعمل على خلط الثقافة الأوروبية بثقافات يعتبرها متخلفة، وهو ما يعززه الإسلام المتطرف المتمثل في القاعدة وداعش حاليا، والذي بدأ يستقطب شبابا أوروبيين ليسوا فقط من أصول عربية بل حتى من أصول أوروبية، مساعدا اليمين على استغلال حالة الإسلاموفوبيا المنتشرة لدى الشعوب الأوروبية والتي لم تعد ترى بكل ما يحدث سوى فيديوهات داعش وهي تقوم بقطع الرؤوس أو الصلب أو الحرق وتتوعد وتهدد الغرب (الكافر) بالخراب.
ولعل كل ما سبق يطرح سؤالا مهما: هل ثمة خطة ما لإعادة ترتيب العالم وإرجاعه إلى قوقعة الهويات الضيقة سواء أكانت قومية أو وطنية أو دينية أو مذهبية وإلى آخر ما هناك من هويات مادون الهوية الإنسانية الموحدة والتي يمكنها أن تنقذ البشرية من دمارها المؤكد في حال استمرت على ماهي عليه من تنمر وتكبر وصراعات لا تنتج سوى الموت والكراهية والحروب والصراعات وانسداد الآفاق للأجيال البشرية القادمة؟
بقلم : رشا عمران

رشا عمران