كتاب وأراء

الأرض مقابل الكلام ! «1»

لا أدري ما الجديد والمفاجئ وغير المتوقع حول فلسطين المحتلة في ما أعلن عنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب ،في صورة مقترح وخطة للسلام ورحب به وصفق له بنيامين نتانياهو والحضور من حوله، في جو يشبه تمامًا مؤتمرات الدعاية الانتخابية، وتضمن طرح خطة تشبه التصفية النهائية للقضية الفلسطينية وصفها ترامب بأنها فرصة السلام، وأن الفلسطينيين سيندمون لو لم يقوموا باغتنامها وهي ما قد تمنحهم ما أسماه بالدولة الفلسطينية المستقبلية ودعاهم للتفكير فيها خلال السنوات الأربع القادمة، وأرفق خريطة للدولة الافتراضية المستحيلة التنفيذ على حسابه الرسمي بموقع تويتر ضمن تغريدات متعاقبة بدأها باللغة العبرية ثم الإنجليزية وأخيرا العربية.
ترتيب اللغات والتغريدات في حد ذاتها هي إشارة لها مغزاها السياسي الواضح بأن مصلحة إسرائيل وأمنياتها ومتطلباتها حتى لو كانت خيالية وغير قابلة للتحقيق مقدمة ولها الأفضلية ولو جاءت على حساب وضد مصلحة الولايات المتحدة الأميركية نفسها وفي حالة ترامب، وصفقته وصفاقته فالمنفعة متبادلة والانتخابات على الأبواب له ولشريكه نتانياهو وما المانع أن تكون على حساب الشعوب العربية والإسلامية، وهو ليس بالشيء والتصرف الجديد أو المستحدث بل هي قاعدة بديهية ثابتة ضمن أوراق المكتب البيضاوي منذ منتصف القرن العشرين بوجه خاص.
قلتها من قبل مرارًا وتكرارًا بأن تعامل الولايات المتحدة قابل للتغيير والتبدل في أي ملف ومع أي دولة أو كيان إلا إسرائيل فأمنها وحمايتها ودعمها لا يتأثر بكون الجالس في البيت الأبيض من الحزب الجمهوري أو الديمقراطي أو حتى من المريخ، جزئية الاختلاف الوحيدة تكمن في مقدار هذا الدعم صعودًا وهبوطًا، صراحةً وغموضًا والباقي بديهيات وثوابت لا تتغير بتغير الإدارات لدرجة تشعر معها وكأن إسرائيل، والحفاظ عليها وضمان هيمنتها وسحق خصومها في المنطقة والتأكد من بقائهم خلفها بعدة خطوات في كافة مجالات وأسباب القوة هو نص قد عُنون وأضيف بأثر رجعي في الدستور الأميركي، ولم لا فترامب يريد من العالم الإسلامي الاعتذار عن أخطائه ضد إسرائيل في عام 1948 ولربما يستن قانونًا يطالب بالتعويضات اللازمة عن قتلى العصابات الصهيونية إبان حرب فلسطين، وتلك هي المصيبة والكارثة التي نزلت على رؤوسنا نحن العرب والمسلمين وكأن ما نحن غارقون فيه من مشاكل وحروب وأزمات وفقر وتخلف وتشرذم وشقاق وخصومات منذ رحيل المحتل الغربي ليس كافيًا، فبات كل من يعاني من مشكلة سياسية أو اقتصادية حول العالم يصدرها لمناطقنا البائسة لتكون المغارم فيها وداخلها والمغانم منها وخارجها.
ولوضع الأمور في سياقها الفعلي والواقعي لا يجب نسيان أن الولايات المتحدة الأميركية في عهد الرئيس هاري ترومان -الديمقراطي- هي أول دولة قد اعترفت بإسرائيل بعد إعلان قيامها في 14 مايو 1948م بعشر دقائق فقط وقد كان صديقًا حميمًا لحاييم وايزمان أول رئيس لدولة الاحتلال، ويأتي اليوم الرئيس دونالد ترامب -الجمهوري- ليحاول جاهدًا أن يأتي على البقية الباقية من القضية الفلسطينية على المستوى الرسمي، وأن يجهز تمامًا على ما يسمى بقرارات الشرعية الدولية التي تتمسك بها وتطالب بتنفيذها الحكومات العربية والإسلامية ولا تلقي لها بالًا حكومات الاحتلال المتعاقبة، وسجلت رقما قياسيا في عدد القرارات الصادرة من المؤسسات الدولية كالأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي وغيره والتي انتكتها وتجاهلتها وضربت بها عرض الحائط، والعجيب في الأمر والملفت للنظر تعاظم المكاسب بشتى أنواعها التي تحصدها إسرائيل في مقابل الانخفاض المستمر لكلفتها، فمنذ أربعينيات القرن الماضي ونكبة فلسطين وحتى يومنا هذا، كافة القرارات والتوصيات الدولية في ما يخص فلسطين على وجه الخصوص تحصل دولة الاحتلال على المنصوص فيها بدعم دولي ويتم ترحيل ما نصت عليه من حقوق للفلسطينيين إلى مرحلة تالية، ويقتصر ما يحصلون عليه على مجرد وعود براقة وكلمات معسولة وأحيانًا بدونها فالمهم إسرائيل والبقية تأتي بعدها أو لا تأتي.
{ (يتبع)
بقلم: جمال الهواري

جمال الهواري